أُلبِسُ كَهَنَتَنا الخلاص، وأصفيهاؤها يُرَنِّمونَ تَرنيمًا (مز 131 \ 16) ..... ألصِدّيقُ كالنَّخلِ يُزهِر، ومِثلَ أرزِ لُبنانَ يَنمي (مز 91 \ 13) ..... سَمِعتُ صَوتًا من السماءِ يقولُ لي: طوبى للموتى الذين يَموتون في الربّ (رؤ 14 \ 13)

العهد الجديد

St Mathew القديس متّى
 


لماذا استعمال كلمة عهد؟

كلمة عهد هي ترجمة لكلمة Bérit العبرانية و Diathéké  اليونانية، وتجد جذورهما في العهد القديم.
العهد هو تعبير عن العلاقة الشخصية المميّزة والمباشرة التي دخل فيها الله عبر التاريخ مع شعبه:

- العهد الأول كان الخلق ثم الوعد بالخلاص الذي أعطي هو لآدم وحواء بأن من نسلهما يأتي من يدوس رأس الحيّة، والعهد الذي دخل فيه الله مع نوح ووعده بالخلاص، ومع إبراهيم ووعده بالأرض وبالنسل، ومع داود عبر النبي ناتان.  وبلغ هذا العهد تمامه حين دخل الله في علاقة مع شعب إسرائيل بواسطة موسى حين أعطاه الوصايا العشر على جبل سيناء (خر 19، 5؛ 34، 10. 27)

لماذا عبارة "جديد"؟

هذه العبارة ليست ابتكاراً مسيحياً يهدف الى تحقير العهد القديم ويعلن انتهاءه كما يعتقد البعض، إنما هي عبارة وردت للمرة الاولى حوالي بستة قرون قبل مجيء يسوع المسيح على لسان أرميا النبي (أر 31،31-34)
ها إِنَّها تَأتي أَيَّام، يقولُ الرَّبّ، أَقطعُ فيها مع بَيتِ إِسْرائيلَ   وبَيتِ يَهوذا عَهداً جَديداً، 32 لا كالعَهدِ الَّذي قَطَعتُه مع آبائِهم، يَومَ أَخَذتُ بِأَيديهِم لِأُخرِجَهم مِن أَرضِ مِصْرَ لِأَنَّهم نَقَضوا عَهْدي مع أَنِّي كُنتُ سَيِّدَهم، يَقولُ الرَّبّ . 33 ولكِنَّ هذا العَهدَ الَّذي أَقطَعُه مع بَيتِ إِسْرائيلَ بَعدَ تِلكَ الأَيَّام، يَقولُ الرَّبّ، هو أَنِّي أَجعَلُ شَريعَتي في بَواطِنِهم وأَكتُبُها على قُلوبِهم، وأَكونُ لَهم إِلهاً وهم يَكونونَ لي شَعباً . 34 ولا يُعَلِّمُ بَعدُ كُلُّ واحِدٍ قَرببَه وكُلُّ واحِدٍ أَخاه قائِلاً: "اِعرِفِ الرَّبّ"، لِأَنَّ جَميعَهم سيَعرِفوَنني مِن صَغيرِهم إِلى كبيرِهم، يَقولُ الرَّبّ، لِأَنِّي سأَغفِرُ إِثمَهم ولن أَذكُرَ خَطيئَتَهم مِن بَعدُ .سوف أضع ناموسي في اعمالهم واكتبها في قلوبهم، عندما أكن لهم ألهاً وحكم يكونون لي شعباً».
هذا العهد "الجديد" الذي بشرّ به أرميا يحتوي على نفس مقوّمات العهد في الأزمنة الماضية:
- الله يدخل في علاقة حبّ مع الانسان
- الله يعد الانسان بأن يكون "شعبه" أي خاصته.
- الانسان يجيب على دعوة الحب هذه بتعهده الوفاء لله عندها يكون العهد قائماً.

العهد الأول كان الخلق: الله بحبّه دعا الانسان الى الوجود وسلّطه على كلّ شيء واعطاه شجرة الحياة، الشرط كان وفاء الانسان لله من خلال عدم سعيه الى شجرة معرفة الخير والشرّ، أي بكلام آخر الى عدم رغبته في ان يكون هو "كالله " يعرف الخير والشر جاعلاً نفسه الهاً لذاته وتاركاً الخالق على هامش حياته. هذا العهد سقط بسبب خيانة الانسان.
عهد آخر ، أو العهد ذاته جدّده الله مع شعبه من خلال نوح الذي نال الخلاص نتيجة لوفاءه للعهد مع الله، لذلك أنقذه الله دون الشعب الذي كان قد خان عهده مع الله.

عهد الله مع إبراهيم: - دعاه لاتباعه الى أرض جديدة
- وعده بالأرض وبالنسل
- ابراهيم خان العهد إذ حاول إقامة نسل له بقوته الشخصية
- الله بقي وفياً لعهده لابراهيم وأعطاه اسحق
- اسحق صار أباً لشعب الله.
إنما العهد أخذه الشّعب شكلياً ورسمياً مع موسى، مكتوباً بيد الله حين خطّت الوصايا "باصبع الله" على لوحين من حجر على جبل سيناء ، وقال الشعب : كل ما يقوله الله إيّاه نصنع .
إنما عاد الشعب وخطىء إذ نسي عهده مع الله. وحين هاجمت الجيوش الغريبة مملكتي الشمال والجنوب، وكادت تسقط أوراشليم تحت وطأة الشعوب، أطلق أرميا وعده بالعهد الجديد، ليس كالعهد المكتوب على حجر ميت إنما مكتوب في اعماق كيان الانسان وبوصايا مخطوطة في قلوب المؤمنين.

هذا العهد الجديد الذي بشّر به أرميا وتمّ بيسوع المسيح لا يعني إلغاء العهد الأول الذي اقامه الرب مع شعبه، فالله لا يتراجع عن مواعيده، إنما هو تجديد للعهد الذي شاء الله لإقامته مع الانسان، منذ اللحظة الأولى التي خلقه فيها على صورته ومثاله.

مراحل تطوّر النص الإنجيلي

- المرحلة الأولى: حياة يسوع الناصري وعمله التبشيري
هذه الحقبة الأولى التي تطال الثلث الاول من القرن الاول تكوّن موضوع الانجيل ومحتواه. فيسوع في حياته العلنية، ومن خلال الاعمال والمعجزات ومن خلال العظات والكلمات، اسلم شفهيا رسالته الى اشخاص انتقاهم ليكونوا برفقته.
هذه العناصر التي تسلّمها هؤلاء المرافقون خضعت لعملية انتقاء بديهي يحتّمه هدف الانجيل: فغايتهم لم تكن نقل وقائع حياة يسوع اليومية، انما نقل رسالته الخلاصية واعلان ارادة الله للبشرية بواسطة شخص يسوع المسيح.

-
المرحلة الثانية: التبشير الرسولي حول يسوع المسيح
في هذه المرحلة التي تمتد لفترة عشرين او ثلاثين سنة، اي الثلث الثاني من القرن الاول، قامت على العمل الرسولي التبشيري لهؤلاء الاشخاص الذين رافقوا يسوع وسمعوه ورأوه ولمسوه واقتبلوا الامر بالانطلاق لاعلانه في العالم أجمع. قوة هذا الانطلاق قد كان سببه اختبار الرسل لقيامة الرب وترائيه لهم، وحلول الروح عليهم.
على ضوء القيامة فهم الرسل الأقوال والأحداث والأعمال التي تمت واختبروها شخصياً قبل موت وقيامة الرب، فأعلنوها في عملهم الرسولي ليس من الناحية التاريخية الاختبارية فحسب انما بنوع خاص على ضوء معناها اللاهوتي الخلاصي المرتبط بحدث القيامة.
وفي هذه المرحلة شهدت عمليّة اعلان البشري عقبات بسبب انتقال الانجيل من العالم الفلسطيني ذي العقلية الساميّة الى جمهور ذي ثقافة مغايرة تماما وعقلية يونانية ذات منحى فكري تجريدي.
ان انتقال العمل التبشيري في اليهودية والجليل الى اليهود المنتشرين في الشتات، في العالم الهليني وللوثنيين المتواجدين في مراكز حضارة وثقافة متطورة (مثل الاسكندرية واليونان وروما)، حتّم تغييراً، ليس من ناحية جوهر البشارة، انما من ناحية الشكل الخارجي لايصال الرسالة الى مُبَشَّرين من خلفية ثقافية مغايرة عن الثقافة الفلسطينية.
هذا التطور نجد آثاره في الاناجيل المكتوبة، احياناً من خلال تمايزات "ثقافية وحضارية" مثل السقف المصنوع في "قرميد" والذي يميّز البناء اليوناني حيث تعيش جماعة لوقا (لو 5 ،19) بينما يورد مرقس ان السقف قد حُفر وبالتالي فهو يتكلم عن سقف ترابي نجده في فلسطين (مر 2،4).
انما هذا الاختلاف، او بالأحرى التمايز، لم يقتصر على الناحية الثقافية انما طاول ايضا النواحي اللاهوتية، مثل استعمال الازائيين وبولس لكلمة "جسد" soma في كلامهم عن الافخارستيا (1 قو 11، 24) بينما اختار يوحنا كلمة sarx (لحم) في يو 6، 51.

- مؤثرات اخرى مكوّنة لمرحلة البشارة:
- الليتورجيا والعبادة التي كانت تعلن سرّ يسوع المسيح وعمله الخلاصي، فدخلت اجزاء منها في الكتاب المقدس (مثل بدء انجيل يوحنا او بدء سفر الرؤيا او مقاطع كثيرة من رسائل بولس).
- عمل التعليم الذي كان يقوم به الرسل ومرافقيهم ضمن الجماعات التي آمنت بالمسيح.
- الخلافات العقائدية بين اليهود والمسيحيين والتي صبغت الاناجيل بطابع النزاع بين يسوع واعضاء المجمع (راجع متى ويوحنا) او بين المسيحيين انفسهم (مثل من يدخل ملكوت السماوات، الذي يقول "يا رب يا رب" (متى 7، 21) او الذي يؤمن ويحيا بحسب ايمانه؟ (

- المرحلة الثالثة: الاناجيل المكتوبة (الثلث الاخير من القرن الاول)
من المرجح ان تكون فترة 65 – 100 هي فترة كتابة المجموعات الشفهية التي تكوّنت وتناقلت عبر الرسل الى الجماعات الكنسية.  نجد تقليد يعود الى القرن الثاني ينسب الاناجيل المكتوبة الى تلميذين (متى ويوحنا) ورفيقين لبطرس وبولس (يوحنا مرقس ولوقا)، انما هذه النسبة لا نجد لها ذكراً في الاناجيل نفسها، فهدف الكاتب لم يكن الا اعلان الخلاص الذي تم بيسوع المسيح.
الكثير من علماء الكتاب المقدس (وهم اكثرية) يعتقدون ان الكاتب المباشر للاناجيل لم يكن بالضرورة شاهد عيان مرافق للمسيح انما هو واحد من الذين عايشوهم واستلموا منهم هذا الاختبار الشخصي ومن ثم كتبوه.
هذا التقليد القديم، وان كان لا يشير الى الكاتب الفعلي انما هو دون شك يعطي المرجعية التاريخية القائمة وراء كل من نصوص الاناجيل الاربعة، او الذين كتبوا مصدر ما قديم من مصادر الانجيل او كانوا المرجعية التي استند عليها التقليد الشفهي الذي صار بعدها مكتوبا.
من هنا نفهم سبب الاختلاف بين الاناجيل الاربعة، فان كان يوحنا ومتى هما شاهدا عيان، كيف نفسر اذاً ان الاول قد ادرج حدث تطهير الهيكل من بدء حياة يسوع العلنية بينما ادرج الثاني الحدث عينه في ختامها؟ كيف نفسّر ايضا الاختلاف بين متى الذي يخبر عن عظة يسوع على الجبل (متى 5، 1) بينما يخبر لوقا ان العظة كانت في مكان سهل؟ (لو 6، 17).

ان كاتب الانجيل اخذ مصادره من مرجعية سابقة، شفهية او مكتوبة، وبما انه لم يكن قادرا على الاتكال على ذاكرته لأنه لم يكن موجودا عند الحدث، اخذ الحادثة التاريخية ونسّقها مع نص انجيله فكانت مختلفة عن الانجيل الآخر. والأناجيل نُسّقت بشكل منطقي وليس بالضرورة زمني.

لمحة على واقع إسرائيل التاريخي والسياسي لغاية كتابة العهد الجديد

فلسطين تحت الحكم اليوناني والمصري:
في العام 333 قبل الميلاد هزم الاسكندرُ الأكبر الملكَ الفارسي داريوس الثالث مما سهل أمامه الطريق لغزو سوريا وفلسطين ومصر .  قاومت صور لمدة ستة أشهر ثم سقطت، قاومت غزّة شهرين، وعند سقوط هذين المعقلين العائقين اتجه الاسكندر الى مصر.
أمّا اليهودية فقد استسلمت دون قتال ، ولأنهم رفضوا القتال اعترف لهم الغزاة بالحقوق التي كانوا يمتلكونها أيّام الاحتلال الفارسي: أي أن يسمح لهم بالعيش بحسب عاداتهم وقوانينهم وبالمحافظة على عبادتهم ليهوه وحده.
في هذه الفترة تعلّم الكثير من اليهود اللغة اليونانية وتأثروا بثقافتهم، وهذا ما يشرح لنا سهولة فهم لغة العهد الجديد المكتوب باليونانية في أنحاء الشرق الأوسط القديم وبخاصة في حوض البحر المتوسط.
بعد موت الاسكندر حصل نزاع بين قوّاد جيشه وحدثت صراعات عنيفة. عندها قام قائد من القوّاد، واسمه بتولوميوس، وكان قائد قطاع مصر، باحتلال فلسطين ثم عاد وانتزعه منه أنتيغونوس عام 315 ق.م. فتحالف القادة كلّهم ضدّه وعاد بتولوميوس وانتزع بسلطة فلسطين وسورا الجنوبية.
في فترة حكم بتولوميوس بقي الحكم الذاتي لليهود مصاناً ، وكانت السلطة كلّها في يد عظيم الكهنة، ويعاونه في المجمع الكهنة والشيوخ، أي رؤساء العائلات المهمّة في أوراشليم.
في القرن الأول قبل الميلاد أضيف الى الكهنة والشيوخ فئة ثالثة: الكتبة، وفي العهد الجديد، يظهر السنهدرين على أنّه مكوّن في هذه الفئات الثلاثة (مر 10، 33 ، 11؛ 27 ...) وهذه الفئات  التي  يأتي العهد الجديد على ذكرها، تكوّن السلطة العليا لليهود والمجتمعة تحت قيادة عظيم الكهنة وتحتكم بشتى الأمور المتعلّقة بالشعب اليهودي، الأمور الروحيّة والزمنية، وتأخذ موافقة الحاكم اليوناني في الأمور الهامة.

فلسطين تحت الحكم السلوقي وحرب التحرير المكابيّة:
عند نهاية القرن الثالث وبداية القرن الثاني قبل الميلاد استطاع ملك سوريا انطيوخوس الثالث انتزاع فلسطين في يد المصريين البطالمة، وصارت المنطقة تحت حكم السلوقيين.
إبّان المعركة، تحالف اليهود مع السلوقيين ضد البطالمة فعاملهم حلفائهم معاملة جيّدة حتّى إنّهم أضافوا ايضاً على إمتيازاتهم: ساعدوهم في تمويل الهيكل ودفع كل ما يلزم من أجل العبادة والخدمة واعفوا الكهنة والشيوخ من دفع الضرائب.
إنما في هذه الفترة صارت انقسامات داخلية بين اليهود حول من يصبح رئيساً للكهنة ، وفي عهد الملك أنطيوخوس الرابع تنازع أونياس واخوه يشوع (وأطلق على نفسه اسماً يونانياً هو ياسون) حول من يصبح رئيس الكهنة ، وصارت الرئاسة لياسون الذي دفع مبلغاً طائلاً من المال.
في هذه الأثناء كان نفوذ الرمان يقوى وتحالفوا مع بطالمة مصر ضد سلوقيي سوريا. وإزاء التقهقر الاقتصادي صادر انطيوخوس كنوز الهيكل ونقل آنيته والمذبح والشمعدان سباعي الأضلع ومائدة القرابين الى انطاكيا.
بعد هذا تمّ إلغاء كلّ حقوق اليهود بالحكم الذاتي، ثم تمّ الهجوم على أوراشليم فدمر السور، ومنع اليهود تحت طائلة الموت، من الاحتفال بالسبت وختانة الأطفال، وكان هناك مفتّشون من قبل الملك يراقب إتمام هذه القوانين.
وفي السنة 167 ق.م. ، ثم بناء هيكل للأصنام في اوراشليم ، مكان المذبح ، وتم تقديم دبائح من الخنازير: هذا ما أطلق عليه لقب "رجاسة الخراب" (دانيال 11،31،12،11) وفي العهد الجديد سوف يعاد التكلّم عنه في مر13 ، 14).  حادث صغير في مدينة  بالقرب من اللّد، إسمها مدين، قد بدل مسار الأمور. فحين جاء المفتشون الى هذه البلدة لاجبار سكّانها على الذبح للأصنام قام كاهن من عائلة الحشمونييّن اسمّه متتيا مع ابناءه وقتل يهودياً كان قد وافق على تقديم الذبيحة للأصنام، كما قتل المفتّش وهرب مع اولاده واختبأ في جبال صحراء اليهودية ( 1 مك 2، 15-28) وجمعوا حولهم جماعة من اليهود المستعدّين للقتال وصاروا يُغِيرون لتحطيم الهياكل الوثنية ولقتل اليهود المرتدّين.
بعد موت متتيا قام ابنه يهوذا، الملّقب بالمكابيّ (من كلمة مكّابا الأرامية وتعني مطرقة) واعلن الحرب على السلوقيين ثم اتجه نحو اوراشليم واحتلّ الهيكل وأعاد العبادة بحسب الشريعة، واعاد تكريس الهيكل وتطهيره (بداية عيد التجديد الذي تكلّم عنه يوحنا 10 ، 22)
عاد السلوقيين فهاجموا وحاصروا المكابيين في اوراشليم، إنما في هذا الوقت مات أنطيوخوس وبدأ الصراع على خلافة المُلك في سوريا فخففوا ضغوطهم على أورشليم واتفقوا مع اليهود على أن لا يتدخلوا في شؤونهم الدينية.
إنما بناء على رغبة اليهود المتأثرين بالثقافة الهلّينية، والذين كانوا يشتكون دوماً من قمع يهوذا المكابيّ لهم، عيّن الملك رئيس كهنة قريب من الثقافة اليونانية، قَبِل به قسمٌ من اليهود ، لاسيما فئة «الغيورين hassidim » لأنهم كانوا يريدون إعادة العمل بالعبادة على أساس الشريعة، إنما رفضه يهوذا المكابي لأنه كان يتطلع إلى أكثر من مجرّد حق ممارسة الشعئر الدينيّة : كان يريد الاستقلال السياسي.
لهذا السبب إندلعت من جديد الحروب بين الجيشين، مات فيها يهوذا سنة 160 ق.م. وبدأت إبادة أتباعه، وتسلّم يوناتان القيادة مكان أخيه يهوذا واستطاع التصدّي للسلوقيين رغم قلّة العدد مستفيداً من نزاعات السلوقيّين الداخلية على الحكم، ثم استطاع إجبار المحتلّين بأن يوافقوا على أن يصبح هو نفسه عظيم الكهنة بعد موت الشخص الّذي كان الملك قد عيّنه.
في العام 143 قتل يوناتان من قبل السلوقيين نفسهم وأخذ القيادة أخوه شمعون وأصبح هو أيضاً القائد العسكري والمدني للشعب اليهودي وحرّر أورشليم من كل وجود غريب وحصل من السلوقيين على الإعفاء من الضرائب للشعب اليهودي. وهكذا صارت وظائف عظيم الكهنة والحاكم المدني والقائد العسكري في يد شخص واحد وتتناقل عن طريق الوراثة، فكانت ولادة سلالة الحشمونيين.
نعمت اسرائيل بالرخاء والسلام في عهد شمعون المكابيّ ومدحه سفر المكابيين لعدله وحكمته ( 1 مك 14، 8-15).  قُتل شمعون عام 134 على يد صهره بطليموس، إنما هكذا الأخير لم يخلفه، إذ أن الشعب قرّر أن الحكم يؤول الى ابن شمعون يوحنّان هركانس.

حكم يوحنان هركانس:
أكمل هركانس التوّسع الذي بدأه والده وعمّه، إجتاح السامرة وحطّم هيكل جريزيم ثم احتل أدوم وأجبر السّكان على التهوّد.  إنما طريقة الحشمونيّين التوسعية العنيفة لم تحظَ برضى فئات المجتمع المتديّنة، لأن ما كان يهمّ هؤلاء هو ان يحيوا بحسب الناموس، وبالنسبة اليهم كان الحشمونيّون ماخوذين بنشوة النصر العالمي.
من ضمن هذه الفئات نشأت جماعة الفريسييّن وكانوا موالين للمكابيين في البداية إنما بدّلوا رأيهم بسبب ما أتينا على ذكره، فعاداهم هركانس واستمال الصدّوقيين الذين كانوا أكثر واقعية وسياسة.
بعد موته خلفه ابنه أرسطوبولس بعد أن سجن والدته واخوته الثلاثة وعيّن أخاه أنطيغونس مساعداً له ثم عاد وقتله. أكمل العمليات الحربية وإحتّل الجليل واجبر السكان على الاختتان وكان على علاقة حسنة باليونانيين.
بعد موته خلفته زوجته فأفرجت عن إخوته وتزوجت أكبرهم يوحنان (يانّيوس)، فأكمل العمليات الحربية وإحتل عبر الأردن واجبر السكان على التّهود. إنما في هذه الحقبة بدأت سلالة الحشمونيّين تفقد الدعم الشعبي.  كان يوحنّان قاسياً، صلب 800 متمرداً وقتل نساءهم واطفالهم أمام أعينهم، قمع الفريسيين واضطهدهم وكان الشعب يكرهه.  قبل موته نصح زوجته سالومي الكسندرا باستمالة الفريسيين وحكمت هي من بعده وكانت حكيمة وعيّنت ابنها هيركانوس الثاني رئيس كهنة. لم تقم بعمليات عسكرية فأحبّها الشعب وكانت مقّربة من الفريسيون وكانوا من الداعمين لها.
بعد موتها قام ابنها الثاني ارسطوبولس الثاني ضدّ هيركانوس الوريث الشرعي وانتصر عليه إثر عملية عسكرية، وبعد انتصاره أخذ أرسطوبولس دور رئيس الكهنة والحاكم.
هنا ظهر على الساحة انتيباتر إبن حاكم أدوم وتحالف مع هركانوس وحاصرا معاً أوراشليم، إنما في هذه الاثناء هجمت روما وانتصرت على السلوقيين وصارت سوريا ولاية رومانية، وحاول كلّ من أرسطوبولس وهركانوس استمالة الرومان، والشعب ايضاً التجأ الى روما آملاً إزالة السلالة الحشمونيّة واعادة الحكم الكهنوتي: ففقد الحشمونيّين في آنٍ معاً الدعم السلوقي والدعم الشعبي.

تحت الحكم الروماني:
فضّلت روما هركانوس الثاني على أرسطوبولس لأنّه كان ضعيفاً ينقاد لها بسهولة، فجعلت منه حاكماً ورئيس كهنة وضُمن لليهود حقّ العبادة، وأعفيت أماكن العبادة من الضرائب ليس في أورشليم وحسب إنّما في كلّ الأمبراطوريّة الرومانيّة.  وفي هذه الأثناء كان نفوذ أنتيباتر يضحي أكثر قوّة في فلسطين إذ أصبح مستشار هركانوس، ثم بالإتّفاق مع يوليوس قيصر أصبح ممثّل الإمبراطور.  أشرك ابنيه في الحكم فولّى فسائيل على اليهوديّة وهيرودس على الجليل.
بعد مقتل يوليوس قيصر تولّى أنطونيوس حكم القسم الشرقي من الأمبراطوريّة وسكن في الإسكندرية.  في هذه الأثناء قُتل أنتيباتر وخلفه إبناه، وبقي هركانوس حاكماً وعظيماً للكهنة الى أن ظهر مجدّداً انتيغونس إبن أرسطوبولس الثاني، فأسر فسائيل وهركانس، قتل الأوّل نفسه وقطع إنتيغونوس أذني هركانس عمّه لكيما يضحي غيرَ أهلٍ لتقلّد وظيفة عظيم الكهنة وهكذا أصبح هو عظيم الكهنة لثلاث سنين.  بقي هيرودس وحده، فالتجأ الى روما طالباً المعونة ضدّ الفرتيّين وإنتيغونوس، فعيّنته روما ملكاً على اليهود، وعاد فانتزع الأرض من الفرتييّن وأُخذ أنتيغونوس أسيراً ثم أعدمه ومعه انتهت رسمياً سلالة المكابيّين الحشمونية.
كان هيرودس قاسياً وسياسياً ماهراً يعرف الإنتقال بسهولة من جهة الخاسر الى جهة الرابح، وبعد خسارة أنطونيوس حليفه أمام أوكتافيانوس، إنتقل الى جهة الرابح وعُيّن مجدّداً ملكاً على اليهود.
لدوافع سياسيّة تزّوج هيرودس من مريمنه، سليلة العائلة الحشمونيّة، ليقوّي مركزه تجاه اليهود، وحين خاف من أن يعيد الحياة الى السلالة الحشمونيّة قتل زوجته مع ابنيه الّذين أنجبهما منها وترك الأكبر أنتيباتر، ثم عاد وقتله قبل أن يموت بفترة وجيزة.  هذا الخوف المرَضيّ على مركزه قد أشار اليه متّى من خلال قصّة قتل أطفال بيت لحم (مت 2،16).  قام ببناء أبنيّة جميلة في فلسطين، وبنى مدن سبسطية وقيصريّة، وحصّن المدن، وبنى قصره الصيفيّ في أريحا، وأهم أعماله هو هيكل أورشليم الذي بقى منه الى يومنا هذا الحائط الغربي أو حائط المبكى.
رغم هذا كلّه بقي غريباً بالنسبة لليهود، وكانوا يطيعونه قسراً، وكان الفريسيّون ذوو النفوذ القوي هم الذين يكبحون الشعب من الثورة عليه.  في نهاية أيّامه وُلد في فلسطين يوحنّا المعمدان ويسوع الناصريّ.
قبيل موته قتل أبنائه الحشمونيّين وقسّم الملك بين أولاده الثلاثة: أرخلاوس على اليهوديّة والسامرة وبلاد أدوم، وهيرودس أنتيباس على الجليل و بيرية في عبر الأردن وفيليبّس على عبر الأردن الشمالي.
كان أرخلاوس شديد القساوة فاشتكى عليه الشعب لدى روما فعُزِل ونُفي وأُوكلت المنطقة التي كان يملك عليها الى حاكم روماني أمر بإقامة إحصاء حال تسلّمه الحكم.  في أيّام المسيح تولّى الحكم بنطيوس بيلاطس (26- 36 ب.م.).
يروي المؤرّخ اليهودي فيلون الإسكندري أن حكم بنطيوس بيلاطس كان مملوءاً فساداً ورشوةً وعنفاً وخطفاً وإهانات، مع الكثير من أحكام الإعدام ووحشية لا تُحتَمل (Leg. Gai. 302 ).
لم يكن يراعي مشاعر اليهود فأدخل الى أورشليم شعارات إكرام للإمبراطور، وأبعدها حين شعر أن الثورة كادت تحصل.  حين أراد بعض الحجّاج تقديم ذبائح في أورشليم، قتلهم كلّهم (لو 13،1) وكان يقتل كلّ من يظنّه مصدر خطر (را مر 15،7)، ولم يكن يجد صعوبة في قتل متّهم إرضاءً للسلطة الدينية، تماماً كما حصل مع يسوع.
هيرودس أنتيباس: حكم الجليل من 4 ق.م. الى 39 ب.م.، تزوّج من إبنة ملك الأنباط، ثم عاد فتزوّج هيروديّة، زوجة إخيه، بخلاف الشريعة (لا 18، 16؛ 20، 21) وطرد زوجته الأولى.  هيرودية كانت حفيدة هيرودس الكبير ومريمنه الحشمونيّة، وإبنة إريسطوبولوس الذي قتله هيرودس.  من هذا الزواج وُلدت سالومي.  قُتل المعمدان بسبب معارضته لهذا الزواج.   قام ملك الأنباط بحرب ضدّ هيرودس أنتيباس إنتقاماً لإبنته وألحق به خسائر فادحة.  هذه الخسارة رآها اليهود عقاباً إلهياً بسبب قتله ليوحنّا المعمدان، كما يروي فلافيوس يوسيفوس (Ant 18, 116-119 ).
بناء على نصيحة زوجته التمس إنتيباس من القيصر لقب الجلالة الملكيّة، فشكّ القيصر عندها في نواياه ونفاه الى بلاد الغال.
أمّا فيليبّس فقد حكم منطقة عبر الأردن ذات الأغلبية غير اليهوديّة، بني فيصريّة فيليبّي وسبك أول عملة يهوديّة تحمل صورة قيصر، ومات عام 34 دون وريث.
خلف أغريبا، حفيدُ هيرودس الكبير، عمَّه فيليبّس وحكم مكان أنتيباس المنفي، ثم وُسّعت صلاحياته لتطال ادوم واليهوديّة والسامرة، فتوحّدت من جديد المملكة التي انقسمت بموت هيرودس.  إستمال السلطات اليهوديّة من خلال الظهور أمامهم بمظهر اليهودي التقيّ، ولإرضائهم إضطهد الكنيسة الناشئة وقتل يعقوب إبن زبدى (راجع أع 12).
بعد موت أنتيباس إستلم المنطقة ولاة رومانييّن ومارسوا سلطتهم بقسوة وفساد فقامت ثورة السيخاريّين (أي حاملي السكاكين)، والغيورين وقسم عظيم من اليهود.  في نهايه هذه الفترة قُتل يعقوب أخو الربّ (عام 62) بعد أن حكم عليه حنّان الثاني.  بعدها بعامين، إثر حرق روما الذي حصل في تمّوز ال 64، قام الإضطهاد على المسيحييّن وقُتل بطرس وبولس.  مع نهاية القرن السابع غابت الشخصيات الهامّة كلّها وبدأت الفترة التي نسمّيها ما بعد الرسوليّة.  دعيت القوّات الرومانيّة لمكافحة الثورة فتمكّن فسبسيانوس من إخمادها الى حين.
بعد إنتحار نيرون أعلن الجيش فسبسيانوس أمبراطوراً، فانتقل من اليهوديّة الى روما واستلم مكانه ابنه طيطس، فدخل أورشليم ودمّر الهيكل.  خلف دوميتيانوس أباه فسباسيانوس وكان عهده عهداً طويلاً من الإضطهاد القاسي ضد كلّ معتنق لليهودية والمسيحيّة.
في هذه الفترة بدأت الكنيسة تنتشر خارج أورشليم: إنطاكيا، أفسس وروما، وبدأ عدد المسيحيين الآتين من الوثنية يزداد، وبدأ الشرخ يتوسّع بين المسيحييّن واليهود حتى بدأ هؤلاء يضطهدون المسيحيّين (مت 17، 17؛ 23، 34).

بعد سلالة فسبسيانوس قام أمبراطور آخر، ترايانوس، ومن بعده أدريانوس، ومعهم بدأ إضطهاد مسيحيّي آسيا الصغرى.  مارس هذا الأخير أعمال قمع ضدّ اليهود ومنعهم من الإختتان، إنّما حين أراد بناء هيكل لجوبيتر على موقع الهيكل، قام شمعون ابن كوكبا بالثورة اليهوديّة، ثورة أخمدها الرومان بعنف، قُتل أثنائها شمعون، ومُنع اليهود من دخول أورشليم تحت طائلة الموت.  بنيت على أنقاض المدينة مدينة أخرى حديثة دُعيتAelia Capitolina .  وهكذا استلم قيادة كنيسة أورشليم أشخاص كانوا من غير اليهود.

ولادة الكتب المقدسة المكوّنة للعهد الجديد

إن الجماعة الاولى كانت تدرك تماماً أن كتابها المقدّس هو العهد القديم الذي رمز ومهّد الى مجيء الرب يسوع. هذا العهد القديم قد نال ملئه واكتماله بتجسد الرب واتمام عمله الخلاصي.  يسوع المسيح لم يكتب أي من كنب العهد الجديد، ولا نجد أنه قد طلب من تلاميذه كتابة البشرى الحسنة، إنما امرهم بالانطلاق واعلانها الى الكون اجمع.
إن إقتناع الجماعة المسيحية الأولى بقرب عودة السيد قد ابطأ عملية وضع محتوى الكرازة في شكل كتابي، لأن الجميع كانوا ينتظرون المجيء الثاني القريب (1 قو 16، 22) وبالتالي فما كان من داعٍ للكتابة للأجيال القادمة.  من هذا المنطلق كان منطقياً أن تكون الرسائل هي اوّل نوع أدبي يبصر النور في العهد الجديد. فهي كانت تهدف الى الاجابة على الاسئلة الطارئة ومعالجة الازمات أو المشاكل المستجدّة في الجماعة الناشئة حديثاً.
بما أن بولس كان يتجوّل في محيط البحر المتوسط مبشّراً بيسوع أضحت الرسائل وسيلة تواصل مع الجماعات التي يتركها ليتجه الى جماعة أخرى.  لهذا السبب نجد أن رسائله هي أقدم وثائق الكتاب المقدّس، ففي حوالي العام 50 كتبت الرسائل التالية:
الأولى الى أهل تسالونيكي، الى أهل غلاطية، الى أهل فيليبي، الى فيلمون. الرسالتان الى اهل قورنتس والى الرومانيين كانت تعكسان الواقع الخاص بكلّ جماعة تتجّه اليها الرسالة، من نزاعات لاهوتية عقائدية، أو تطبيقية أخلاقية ...
في العقد السادس من القرن الأوّل بدأ الرسل الذين اسسوا الجماعات المختلفة يموتون. هؤلاء الاشخاص كانوا بغاية الأهميّة بالنسبة للكنيسة الناشئة، فهم الذين رأوا الربّ وعاشوا معه وسمعوه، وبنوع خاص انهم كانوا شهوداً لقيامته (را 1 قور 15، 3-8).
رحيل هؤلاء الشهود الاساسيين ، خاصة بطرس ويعقوب ويوحنا المذكورين دوماً معاً كنواة لجماعة الاثني عشر، لأهميتهم في قيادة الكنيسة الاولى، قد دفع بالكنيسة الى ايلاء أهمية أكبر لضرورة تدوين أعمال أشمل وأكبر من رسائل للكنائس، فبدأ تدوين الأناجيل.
حتى بعد بداية تدوين الأناجيل، بقيت الرسائل وسيلة فعالة للتواصل مع الجماعات المنتشرة في محيط البحر المتوسط، وبعد موت بولس أكملت جماعته والأشخاص المقرّبين منه ما بدأه الرسول فكتبوا رسائل وفيّة لتعليمه وفكره، وهي ما تسمى الرسائل البولسية الثانوية (2 تس، قول ، أف ).   هذه الرسائل تأخذ طابعاً أكثر شمولاً، لا تتكلّم عن الكنائس بل عن الكنيسة، وكلامها عن مجيء المسيح الثاني يضحي اكثر إعتدالاً. هذه الرسائل كانت تعالج مشاكل السنوات الممتدّة بين 70 و 100 أي بعد موت بولس، بكلام وفكر ولاهوت أمين لتعليم بولس ولاهوته.

في هذه الحقبة كُتبت أيضاً الرسائل التي ندعوها راعوية (2 و 2طيم، طي)، كما كُتبت رسائل بطرس ويعقوب ويهوذا وتعالج مشاكل الجماعات المسيحية ما بعد موت الرسل شهود العيان. هذه الرسائل بالاضافة الى 3 رسائل يوحنا دعيت الرسائل الكاثوليكية او الجامعة لانها تخاطب الكنيسة كلّها وليس الكنائس الخاصة أو كلّ كنيسة على حدة.

الأناجيل

بعد مرحلة الرسائل ظهر نوع آخر من الكتابات المقدّسة لا يخاطب كنيسة معيّنة بشكل مباشر كما هي حال الرسائل البولسية أو الكنيسة بشكل عام لحلّ المشاكل وإعطاء الارشاد اللاهوتي والتطبيقي أو لعرض الحقائق الايمانية بشكل مباشر كما هي حال الرسائل البولسية الثانوية.
بين العام 60 و 70 ظهر الإنجيل الأوّل : إنجيل مرقس.
كلمة إنجيل هي كلمة مشتقّة من اليونانية Euaγγeλioν وتعني البشارة الحسنة، وهو عبارة عن مجموعة روايات لأعمال وأقوال يسوع، وهي مواضيع لم تكن الرسائل تحتويها الاّ بشكل عابر وغير واضح.
لم يكن هدف الانجيل كتابة قصّة بشكل تاريخي وموثّق، فالانجيل ليس قصة حياة موثّقة، إنما مجموعة منتقاة من الأحداث التي شهد عليها التلاميذ حين كانوا مع الربّ، وانتقوا منها ما يجيب على تساؤلات جماعتهم الكنسية.  فتشديد مرقس على ضرروة حمل الصليب والألم في سبيل الملكوت كان من ناحية يعكس حالة الكنيسة التي يتجه اليها هذا الانجيل وهي كنيسة تعاني الاضطهاد ، ومن ناحية أخرى كان يهدف الى تقوية المسيحيين المضطهدين في إيمانهم بيسوع المسيح من خلال مضمون الانجيل. بينما نجد أن انجيلَي متى ولوقا يحتويان على مجموعة أوسع من الأعمال والأقوال والأحداث المتعلّقة بيسوع تظهر لنا أن غاية هذين الانجيليين كانت مختلفة عن غاية كاتب انجيل مرقس ، كما تظهر أن الواقع الاجتماعي والسياسي لم يكن هو نفسه واقع مجتمع انجيل مرقس.
إن ما هو مشترك بين الانجيليين الأربعة هو الهدف: إعلان ما إختبره الرسل شخصياً مع يسوع ونقله الى الاجيال القادمة لئلا يختفي مع موت التلاميذ شهود العيان.

كتّاب الاناجيل:
لم يرد اسم الكاتب في أي من الأناجيل الاربعة، انما نعتمد في تسميتنا للاناجيل على تقليد وصلنا في نهاية القرن الثاني تُنسب فيه الأناجيل لمتّى أحد الاثنين عشر، والثاني ليوحنا مرقس مرافق بولس وبطرس، والثالث للوقا مرافق بولس وأخيراً ليوحنا أحد الاثني عشر.
ما يهمنا نحن في هذا الأمر هو أن كتّاب العهد الجديد لم يكونوا غرباء عن يسوع المسيح وإن كلام وحياة يسوع قد نُقلت إلينا عبر الأناجيل بطريقة وفيّة عن يدّ أشخاص امناء واوفياء ليسوع المسيح ولانجيله كما سمعه وعاينه من كانوا شهوداً للكلمة.

أنواع أدبية أخرى : أعمال الرسل ، سفر الرؤيا وعظات

أعمال الرسل:
هو الجزء الثاني من مجموعة ينسبها التقليد الى لوقا تلميذ بولس وبطرس، يكمل الجزء الأوّل (انجيل لوقا) الذي تنتهي احداثه في اوراشليم.  هذا الكتاب ينطلق من أوراشليم الى اليهودية والسامرة وصولاً الى نهاية العالم. في بداية هذا الكتاب نقرأ «ما لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة التي حدّدها الآب بسلطانه ولكن الروح القدس يحلّ عليكم ويهبكم القوّة وتكونون لي شهوداً من أوراشليم واليهودية والسامرة حتى أقاصي الارض ( أع 1،7-8).  لهذا يعلن كتاب الاعمال انتشار انجيل المسيح في العالم كلّه، وينتهي هذا الكتاب بإعلان حقيقة كون الانجيل لا يخصّ اليهود فقط بل الوثنيين أيضاً (أع 28، 28)

سفر الرؤيا:
هو نوع أدبي فريد من نوعه في العهد الجديد انما يجد جذوره في ادب العهد القديم ( حزقيال ودانيال) . هذا النوع الادبي كان حاضراً بقوّة في فكر العهد القديم لغاية أيام الكنيسة الاولى، وهذا نستنتجه من كتابي 2 باروخ و 4 عزرا الذين كتبا بعد دمار هيكل أوراشليم في الوقت الذي كتب فيه سفر رؤيا يوحنا.
لا يمككنا ان نقرأ كتاب الرؤيا بمنهجية قراءة كتب العهد الجديد الأخرى، فهو كتب بطريقة رمزية للإجابة أوّلاً على مشكلة الاضطهاد والشرّ الذي تعانيه الكنيسة والتي تطرح تساؤلات حول قدرة الله في خلاص شعبه كنيسته وقدرته على التاريخ وعلى الشر، عن هذه الاشكاليات يجيب سفر الرؤيا متكلماً عن الاحداث التي تتم في السماوات وعلى الارض، وهذا لا يمكن الكلام عليه إلاّ بلغة رمزية مجازية مبالغ بها.
الموازاة بين السماوات والارض تؤكد أن الله يسيطر على التاريخ البشري، وأن اضطهاد الكنيسة على الارض يعكس صراع الله مع ارواح الشرّ.
جديد سفر الرؤيا هو كونه مؤلفاً من رسائل موجّهة الى كنائس محليّة، ليجيب من جهة على تساؤلات هذه الجماعات ويرشدها في سيرتها العقائدية والتطبيقية، ويذكّر مؤمنيها من جهة أخرى أن عمل الله يمتد الى ما بعد التاريخ الاليم الذي تحياه الكنيسة المضطهدة، ويعطيها الرجاء بالانتصار النهائي.

الرسائل العظات:
نجد ضمن الرسائل قسماً، وإن تمتع بالشكل الخارجي للرسالة فهي ليست رسائل بل هي أقرب الى العظة أو الخطبة التعليمية. ففي حال رسالتي بطرس ويعقوب نجد بعض مميّزات الرسالة، إنما من حيث المضمون فإن رسالة بطرس هي عظة تعليمية أما رسالة يعقوب فهي نوع من الأدب الخطابي الجدلي الذي يبتغي دحض بعض الاخطاء واظهار التعليم الصحيح.  أما الرسالة الى العبرانيين فلا تحوي من ميزات الرسائل إلاّ الخاتمة إنما لا تبتدىء بالسلام الاعتيادي الخاص بالرسائل ولا تحدّد الى من هي موجّهة كما هي حال الرسائل البولسية. نسميها الى العبرانيين لأن محتواها يظهر هذا الاتجاه ، فالنص يخاطب أشخاصاً تخلّوا عن بعض نواحي الايمان المسيحي في سبيل المحافظة على عادات يهوديّة.

أما رسالة يوحنا الأولى فلا تحتوي على أيّ من مميّزات الرسائل: لا السلام الافتتاحي ولا الكاتب ولا الجماعة الموجّهة إليها الرسالة ولا السلام الختامي رغم إنّها تتجه بصيغة المخاطب الى الجماعة (يا أبنائي)، هي ليست عظة مثل رسالة بطرس ولا جدلية خطابية مثل يعقوب، ويميل الشّراح الى القول أنها محاولة تطبيق انجيل يوحنا على واقع جماعة محلية، بعد أن انتقلت الجماعة اليوحنويّة من حالة الخطر من الفصل عن المجمع الى مشكلة مختلفة هي الشقاقات والنزاعات الداخلية.

حفظ هذه "الكتب" وقبولها في الجماعات الكنسيّة

إن مجموعة الكتب هذه التي خُطَّت ما بين سنتي 50 و 150 للميلاد لم تُقبل في الكنيسة ككتاب واحد وفي لحظة واحدة بل شهدت مسيرة ولادة ونموّ حتى بلغت مرحلة اكتمالها حين جمعت في كتاب العهد الجديد الذي لا يزال حتى اليوم يرشد الكنيسة ويحقق حضور المسيح في حياة المعمّد والكنيسة.
إنما نحن نعلم أن هناك العديد من الكتب الأخرى قد كتبت حول يسوع منها ما هو معاصر لهذه الكتابات، إنما لا نجد لها أثراً اليوم (مثل رسالة بولس الى أهل قورنتس والمدعوّة "الرسالة في الدموع" التي يتكلّم عنها بولس في 2 قور 2 ، 1-4 أو الرسالة الى أهل لاوديسّا التي يتكلّم عنها في كول 4 ، 16) ، او أيضاً كتب لا تزال موجودة إنما لا تعتبرها الكنيسة مقدّسة مثل إنجيل بطرس الذي كُتب في أواخر القرن الثاني ورُفض رغم نسبته الى رأس جماعة الرسل.
فعلى أي اساس انتقيت هذه الكتب لتحفظ وقُبلت على أنها من مجموعة الكتب المقدّسة؟

- المصدر الرسولي (الحقيقي او المنسوب): كما قلنا سابقاً لم يكن الرسل انفسهم هم كتبة كلّ الكتب المقدسة بخط اليد، إنما هي كتب كتبت بإشراف، بإسم ، بروح وبسلطة واحد من الرسل.
الاناجيل لا تذكر اسم الكاتب ، ونسبت الى رسولين (متى ويوحنا) والى مرافقين لبطرس (يوحنا مرقس) وبولس (لوقا) إنما أهميتها تكمن في كونها تتعلّق بالجماعة الرسولية وتحوي تعاليماً وفية للرسل الذين رافقوا وسمعوا الرب يسوع ونالوا الروح فأسسوا الجماعات الأولى.
لقد كانت الجماعات الأولى تعتمد هذا المقياس في قبولها لكتاب من الكتب ، لهذا نرى أن سفر الرؤيا قُبل جزئياً في الغرب حين نسب الى يوحنا الرسول، وحين بيّن ديونيسيوس الاسكندري، بحسب ما يروي المؤرخ أوسيبوس (HE 7.25, 6-27 ) أن يوحنا ليس هو الكاتب تراجع قبول الكنيسة الغربية له.
والرسالة الى العبرانيين لم تقبل في عداد الكتب المقدّسة في الغرب لعدم نسبتها الى أيّ من الرسل، رغم أننا نجد ذكراً لها في القرن الثاني في روما، إنما الشرق قبلها لأنه اعتقد أنها من الرسائل البولسية ( أوسيبيوس He 6.14,4 )  ، وعادت الكنيسة الغربية وقبلت هذه الرسالة في القرن الرابع أو الخامس ظنّاً منها أنها من الرسائل البوليسية.
إنما النسبة الرسولية لم تكن دوماً معياراً لا يقبل الجدل، فالإنجيل المنسوب الى بطرس كما أسلفنا ، رُفض فوراً في الغرب رغم نسبته الى كبير الرسل وذلك بسبب محتواه.  فحين يكون المحتوى غير مستقيم الايمان، يُرفض الكتاب رغم نسبته الرسولية المزعومة.

- أهمية الجماعة المسيحية الموّجه إليها الكتاب ووضعها:  يلعب وضع الجماعة المُرسل إليها الكتاب دوراً دوراً هاماً في فهم كيفية حفظه وتناقله، فالوضع السياسيّ أو الاجتماعيّ أو وضع الاضطهاد الذي قد تعانيه جماعة ما يؤثر في حفظ أو فقدان الكتاب.  فنحن لا نجد ، على سبيل المثال، أي من الكتب أو الرسائل الموّّجهة الى كنيسة أورشليم، رغم أن كثير من مصادر الاناجيل والأعمال قد تكون خارجة من هذه المنطقة.  والسبب قد يكون الاضطراب الذي سببته الثورة اليهودية في العام 66- 70 ضد الرومان وأدّت الى دمار اوراشليم وتشتت أهلها.

ومن ناحية أخرى يلعب وجود واحدة من الشخصيات المهمة في إحدى المناطق دوراً محورياً في حفظ كتاباته في هذه المنطقة: لذلك نجد ان أسيا الصغرى والجزر اليونانية قد حافظت على رسائل بولس والكتابات اليوحنوية وربما أيضاً لوقا والأعمال لارتباط هؤلاء الرسل بهذه الأمكنة. هذا العامل قد أسهم أيضاً في المحافظة على كتابات أقلّ أهميّة وحجماً مثل رسالة يهوذا والرسالة الى فيلمون، وحافظت انطاكيا على انجيل متى.

- تطابق محتوى الكتب والايمان القويم: يتعلق مصير قبول كتاب ضمن الكتب المقدّسة بتطابقه أو لا مع الايمان الذي قبلته الكنيسة من الرسل الذين عاينوا وشهدوا.  فانجيل بطرس الذي تكلّمنا سابقاً كان قد قُبل في كنيسة رودوس القرب من انطاكية، وحين أتى الأسقف سيرابيون اسقف انطاكيا عام 190 الى هذه المدينة وجد هذا الانجيل لم يكن قد سمع عنه قبلاً وبعد فحصه اتّضح له أنه من نتاج بدعة الدوسيتية التي تنفي انسانية المسيح الحقّة عندها منع الاسقف قراءة هذا الكتاب في الجماعات الكنسية (اوسيبوس HE 6.12-2-6 ) . كما أن رفض ديونيسيوس أسقف الاسكندرية لقانونيّة سفر الرؤيا هو وجود فكرة ملك المسيح لألف سنة ، وخوفه من أن يُفهَم الكتاب وكأنّه يتكلّم عن الألفيّة المسيحانيّة التي تبنّتها الكثير من البدع.

جمع الكتب المقدّسة في كتاب العهد الجديد:
الرسائل: إن الرسائل، وإن كانت الأكثر قدماً، تبقى النوع الأكثر صعوبة للجمع، فالكاتب كان يرسل الرسالة ومن غير المؤكّد أنّه كان يحتفظ لجماعته بنسخة منها، فكيف جُمعت إذا هذه الرسائل في مجموعة واحدة؟  الحلّ الأسهل هو أن الكاتب، أو من هم حوله، كانوا يجمعون الرسائل معاً لما يعنيه لهم شخص الكاتب كرأس لجماعتهم المحلّية.
الطريقة الثانية هي التبادل بالرسائل بين الجماعات، فالكنيسة التي كانت تصلها رسالة كانت ترسلها الى كنائس أخرى مجاورة، أحياناً بطلب من الكاتب نفسه، كما نرى في كول 4، 16.
مما لا شكّ فيه أن الجماعات الكنسية بدأت تجمع رسائل بولس حين بدأ هذا الرسول يكتسب أهميّة كبيرة في هذه الجماعات، وعلماء الكتاب المقدّس ينسبون عملية الجمع هذه الى المدرسة أو الجماعة البولسية التي تكون خطّت أيضاً الرسائل البولسية الثانوية، أو الى تلاميذ مرافقين لبولس مثل أونسيموس (فيل1، 10) أو لطيمتاوس.
الأناجيل: نحن نملك اليوم بين أيدينا أربعة أناجيل كتبت بين 65- 100، إنّما لماذا أربعة اناجيل.  فكلّ المؤّشرات تدلّ الى أن المنطق الرسولي كان منطق الإنجيل الواحد، فبولس في رسالته يحذّر من إنجيل آخر غير الإنجيل الذي أعلنه هو (غل 1، 8-9)، وكاتب إنجيل مرقس يبتدئ بإعلان هذا الإنجيل كإنجيل يسوع المسيح: بَدءُ إنجيل يسوعَ المسيحِ آبنِ الله، دون الإشارة الى إمكانيّة وجود أناجيل أخرى، ومتّى حين استعمل مرقس في إنجيله، أدخل أيضاً مواداً أخرى، مفترضاً ان القارئ عندها لن يكون محتاجاً لقراءة إنجيلين، فإنجيل مرقس يحتويه متّى.  ولوقا يبتدئ إنجيله مشيراً الى أنّ آخرين كتبوا إناجيل أخرى:"لَمَّا أَن أَخذَ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يُدَوِّنونَ رِوايةِ الأُمورِ الَّتي تَمَّت عِندنَا،ما نَقَلَها إلَينا الَّذينَ كانوا مُنذُ البَدءِ شُهودَ عِيانٍ لِلكَلِمَة، ثُمَّ صاروا عامِلينَ لها،رَأَيتُ أَنا أَيضاً، وقَد تقَصَّيتُها جَميعاً مِن أُصولِها، أَن أَكتُبَها لَكَ مُرَتَّبَةً يا تاوفيلُسُ المُكرَّم لِتَتَيَقَّنَ صِحَّةَ ما تَلَقَّيتَ مِن تَعليم" (لو  1، 1-4)، فنستنتج أن لوقا يستعمل ما كُتب سابقاً، مدقّقاً فيه ومرتّباً إياه، ليصبح بالنسبة للقارئ الإنجيل الدقيق.  في الواقع قبل العام 150 لا نجد أي إشارة الى وجود أربعة أناجيل تستعمل معاً في كنيسة محلّية ما.
إستعمال إنجيل واحد كان يهدف الى التأكّد من صحّة البشارة التي تتلقّاها جماعة ما، إنّما لهذه الحصريّة الإنجيليّة أخطار أخرى، منها إمكانيّة إستعمال "الإنجيل الوحيد" لتبرير معتقدات أو طرق عيش غير وفيّة لما أراد المسيح إعلانه.  فاستعمال إنجيل متّى حصرياً في الجماعات من أصل يهودي كان خياراً تفضيلياً لورود: "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل . الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض (مت 5، 17-18)، وبالتالي كانوا يستعملونها في جدالهم ضدّ المسيحيّين من أصل وثني، المستندين الى إنجيل آخر لتبرير عدم إتّباعهم للشريعة اليهوديّة.  وما هو أخطر هو أن البدع المختلفة كان يمكنها الإرتكاز على إنجيل ما دون آخر، لأن الإنجيل المستعمل يبرّر معتقدها الخاطئ كما حصل مع الغنوصيّين الذي حوّروا إنجيل يوحنّا.  لذلك بدأت الكنيسة تعتمد الأناجيل الأربعة.  في هذه الفترة فتّش البعض عن حلول وسط للتوفيق بين منطق الإنجيل الواحد والأناجيل المتعدّدة، فكان دياتسّرون تاتيانوس الذي جمع في نص واحد الإناجيل الأربعة بشكل متواصل، مكمّلاً واحدها بالآخر.  هذا الإنجيل كان شديد الرواج في الكنائس السريانيّة.
وبسبب تعليم مرقيون الهرطوقيّ، أخذت الكنيسة خطوة أخرى في تكوين قانون العهد الجديد، فمرقيون (100-160) مسيحيّ الثقافة ولاهوتي لامع جاء الى روما عام 140 معلّماً أن الخالق الّذي يتكلّم عنه العهد القديم هو ليس الله، إنّما "إله هذا العالم" (2قور 4،4)، وهو ليس الله المحبّ البشر وأب يسوع المسيح.  هذه النظرية كانت نتاج فكرة التحّلي عن الشريعة، ومن أخطار الإعتماد على كتاب واحد.  رفض مرقيون العهد القديم، واختار إنجيلاً واحداً هو إنجيل لوقا (دون الفصلين 1 و3) وعشر رسائل بولسية متخلّياً عن الرسائل الراعويّة.  عندها قرّرت الكنيسة إعتماد، الى جانب العهد القديم، الأناجيل الأربعة وثلاث عشرة رسالة من رسائل بولس وكتاب الأعمال كجزء مكمّل لإنجيل لوقا، كما اعتمدت 1 بط و1يو.  في نهاية القرن الثاني كان العهد الجديد مكوّناً من 20 كتاباً.

المجموعة النهائية:
بين القرنين الثاني والرابع، قُبلت الكتب السبع الباقية وأُدخلت في بعض الكنائس ككتب مقدّسة، وأثرث العلاقة بين الشرق والغرب على اكتمال هذا القانون: فأوريجانوس إنتقل الى روما وتعرّف على الكنيسة التي عرفت بطرس وبولس، أمبروسيوس وأغسطينس تعرّفوا على أعمال أوريجانوس وترجموها، وبواسطته دخلوا في ثقافة كنيسته الكتابية؛ أيرونيمس عاش ردحاً طويلاً في فلسطين وسوريا، وبالتالي فإن الكنيسة الجامعة قد عملت بشكل تلقائي على تكوين ما نسمّيه قانون العهد الجديد.

المسألة الإزائيّة

ان الاناجيل الثلاثة الاولى تدعى الاناجيل الازائية اذ يُمكن قراءتها الواحد ازاء الآخر. من هنا كانت كلمة ازائية synoptique   من اليونانية syn optikos : تحت نظرة واحدة، بعين واحدة وsyn Opsis بنظرة واحدة.
هذه الاناجيل تحتوي على عناصر كثيرة مشتركة، مما يجعلنا نستنتج ان واحد او اثنين قد اعتمد، في المرحلة الثانية من تكوين الاناجيل، على الثالث من استقاء العناصر المكونة.
ان روايات متى، مرقس ولوقا تمتاز بخاصتين تميزهما عن الانجيل الرابع:
     1- شكل البناء الادبي المتشابه: تمتاز الاناجيل الثلاثة بتكوّنها من تتابع لوحدات روائية قصيرة (كلمات يسوع، امثال، معجزات وجدال) مترابطة كلها بشكل قوي الواحدة مع الاخرى.
     2- تواجد عدد كبير من هذه الوحدات الروائية القصيرة في الاناجيل الثلاثة معاً. بينما نجد ان الانجيل الرابع ينظم الروايات بشكل روايات موسعة متتالية ولا يتشابه مع محتوى القصص الازائية القصيرة.

- التشابك المتعدد للروايات:
نجد في الاناجيل الازائية نوعين من المواد الروائية:
- مواد مشتركة مع انجيل او انجيلين آخرين.
- مواد خاصّة بكل انجيل.

مرقس يتكوّن من 661 آية (نجد 80% منها في متى و65% لو)
متّى يتكوّن من 1068 آية
لوقا يتكوّن من 1149 آية
التقليد الثانئيّ: متى ولوقا يملكان 220 – 235 آية مشتركة غير موجودة في مرقس، هذه الآيات تّعرف باسم التقليد الثنائي.  والملفت ان هذا التشابه هو ليس فقط من ناحية المحتوى انما من ناحية المكان الذي ادرجت فيه هذه العناصر المشتركة. وهذا يدفعنا للظن ان اعتماد الواحد على الآخر هو ليس فقط آت من المرحلة الشفهية بل من المرحلة الكتابية.
المواد الخاصة: هي عناصر روائية نجدها في انجيل واحد، هي 26 آية في مرقس، 310 في متى و550 في لوقا.
ان التشابه بين العناصر الروائية، انما خاصة بين تقسيم الاناجيل وتسلسل المقاطع والاستعمال اللغوي والقواعدي للغة اليونانية تؤكد لنا ان الامر لا يتعلق بالصدفة، انما لا بد ان تكون هناك علاقة ما بين الاناجيل الثلاثة من ناحية تكوّنها وكتابتها.

الحلول الممكنة:
1-
متّى كانجيل اوّل: هذا الحل يعود الى القديس اغسطينوس، واعتمده العلماء الكاثوليك لغاية منتصف القرن العشرين تقريباً، ولا يزال القليل منهم حتى اليوم يقولون به.  بالنسبة لأغسطينوس، كُتب انجيل متى اولاً، ثم لَخَّص مرقسُ انجيلَ متى ومن بعدهما كتب لوقا ويوحنا إنجيليهما. انما كيف نفسر سبب اهمال مرقس لجزء مهم من انجيل متى وما الداعي لإختصار الإنجيل؟
2- نظريّة Griesbach: عرض Griesbach(1789) نظريته القائمة على أساس مبدأ أغوسطينوس مع تعديلات ليحل إشكاليّات هذه النظريّة.
        متى    
 
لوقا مرقس 

 

بحسب هذا الحلّ يأتي مرقس في خاتمة الاناجيل الازائية من حيث تاريخ الكتابة، فقال ان مرقس جاء كملخّص لمتى ولوقا، فكتب ما هو مشترك بينهما فقط (اذ ان مرقس لا يورد التقليد المزدوج) انما المسألة هنا: ان كان لوقا يعتمد على متى كيف يمكننا شرح الاختلاف في المحتوى؟ كيف نشرح الاختلاف بين الاثنين في اناجيل الطفولة؟ فبالنسبة لمتى كان مكان سكن يوسف ومريم بيت لحم (2، 11 البيت) بينما هي الناصرة بالنسبة للوقا (لو 2، 4 – 7). بالنسبة لمتى كان هرب يسوع الى مصر (متى 2، 14) أمّا بالنسبة للوقا فقد كان الى اورشليم والناصرة (لو 2، 22 – 39).
3- نظرية الاجزاء Diegesis: مع Schleiermarcher (1768 – 1834) ظهرت النظرية القائلة ان الاناجيل وضعت كتابة بعد عملية جمع مجموعة من الروايات المستقلة الواحدة عن الاخرى. فمباشرة بعد موت يسوع، نظمت مجموعات صغيرة مكتوبة (diegesis لوقا 1، 1) فاختار كل انجيلي ما يلزمه منها لنشر انجيله.

 

 
                                 
           متى                     مرقس                   لوقا

أهمية هذه النظرية انها تلقي الضوء على حقيقة الاجزاء الروائية، انما المسألة: كيف يمكن شرح التشابه في التصميم بين الاناجيل؟
4- نظرية التقليد الشفهي: لا يوجد نص مكتوب اعتمد عليه الانجيليون، انما هناك تقليد شفهي يعود الى الرسل والجماعات الرسولية.  التشابه يعود الى التقليد المشترك الذي ثبّته الرسل بينما الاختلاف يعود سببه الى خيار الرسل واستراتيجيته في ما يراه ضرورياً ومناسباً لاعلان الانجيل.

- اهمية هذه النظرية:
اعطاء التقليد الشفهي مكانته واهميته.
القاء الضوء على الدافع اللاهوتي الذي يجعل الانجيليّ يضع التقليد في خدمة البشارة بحسب واقعه التاريخي.

انما المسألة هي في شرح القدرة الهائلة عند الكتّاب في حفظ تسلسل الاحداث خاصة في ما يتعلق بالأمثال والمواعظ؟
والمسألة الثانية هي: أيحق لنا ان نشرح الاختلاف فقط على ضوء ارادة الكاتب الانجيلي وهدفه؟
5-  نظرية التعلق: تطرح هذه النظرية امكانيّة ان تكون الاناجيل متعلقة الواحد بالآخر بطريقة منطقية، انما ترفض امكانية وجود مصادر اخرى سوى تلك الموجودة في واحد من الاناجيل الثلاثة.
6-  نظريّة Lachman: يعتمد على Griesbach انما يغير في الاقدمية: مرقس هو الاقدم.
7- نظريّة Farmet وهي نظرية الانجيليّين: متى هو الاول لوقا يليه ويعتمد عليه، بينما مرقس هو الاخير وقد كتب في روما وهدفه ازالة الفوارق بين متى ولوقا، وازالة العناصر اليهودية (تأثير بولس على مرقس).
8-
نظريّة المصدرين:لشرح الاختلاف  بين لوقا ومتى؟

بحسب هذه النظرية:
1- مرقس هو الاقدم.
2- مصدر آخر اخذ منه الإزائيّون دُعي المصدر Q من كلمة Quelle الإلمانيّة وتعني المصدر مجهول هو مصدر التقليد الثنائي (متى ولوقا).
3- متى ولوقا استعملا مصادر خاصة بكل منهما.

ما الّذي يؤكد هذه النظرية:
1- التصميم: تصميم متى ولوقا يُظهر اعتماداً على تصميم مرقس في العناصر المشتركة بين الثلاثة ويختلفان عن بعضهما في العناصر الخاصة بكل منهما (اناجيل الطفولة يختلفان ثم يتشابهان حين يصلان الى بشارة المعمدان، اخبار الفصح تتشابه قبل اكتشاف القبر الفارغ ثم تعود فتختلف بعد اكتشاف القيامة).
2-  تتالي الروايات: متى ولوقا يغيّران احياناً تصميم مرقس، انما لا يعتمدان التصميم نفسه حين يتعملا المصادر الخاصّة، بينما يتشابهان حين يعتمدان التصميم المرقسي.

مثلاً:
متى
9، 1 – 17
9، 18 – 11، 30
12، 1 – 14
لوقا يترك تصميم مرقس ثم يعود اليه

مرقس
2، 1 – 22
(متى يترك تصميم مرقس ثم يعود اليه).
2، 33 – 3، 6

لوقا
5، 17 – 39
6، 1 – 19
6، 20 – 49

مرقس يبقى في التصميم نقطة الارتكاز.
3- العناصر المكونة للمحتوى: القسم الاكبر من مرقس موجود في متى (523 آية في اصل 661 من انجيل مرقس) انما نجد فقط 364 آية من مرقس في لوقا:
- لوقا فضل استعمال مرقس في ما يختص بالبشارة في الناصرة (لو 4، 16 – 30/ مر 6، 1  6) بينما اعتمد على مصدر خاص في ما يختص بالباقي.

4- التعليق على النص: ان متى ولوقا لا يختصران مرقس حين يستعملانه انما يعطون تعليقات عليه

مرقس 8، 29 انت المسيح
متى 16، 16 انت المسيح، ابن الله الحي
لو 9، 20 انت مسيح الله
او ايضا تحويرات ليس للشرح انما لهدف خاص بكلّ إنجيليّ، مثل اعلان قائد المئة في مرقس 15، 39 (هذا الرجل كان حقا ابن الله) بينما يحاول متى من خلال ازالة كلمة "الرجل" ان يركّز على البعد اللاهوتيّ: هذا كان ابن الله حقاً (متى 27، 54) ولوقا يحاول ان يظهر البعد التاريخي: هذا الرجل كان صدّيقاً (23، 43).
5- المصدر المشترك بين متّى ولوقا: متّى ولوقا يحتويان على عناصر مشتركة آتية من مصدر واحد غير موجودة في مرقس، هذه العناصر تتألّف اجمالا من:

- كلمات يسوع
- بعض النصوص الروائية: التجارب – شفاء ابن قائد المئة.
هذا المصدر هو مفقود اليوم، تعرف عنه فقط بسبب العناصر الّتي أورداها متّى ولوقا، وقد استعملها كلّ واحد منهما بحرية وتناغماً مع هدفه ولاهوته.  نجد أن لوقا قد استعمل هذا المصدر  بشكل موسع اكثر.من متّى.
ما يؤكد استعمال هذا المصدر هو وجود اخبار مزدوجة في متى ولوقا، يوردانها مرتين: الاولى بحسب مرقس والثانية مشتركة بحسب المصدر الآخر المُشترك:
مثل: - مرقس 4، 25 (من له...) متى 13، 12
لوقا 8، 18
Q – متى 25، 29/ لو 19، 26
مرقس 8، 35➦ متى 16، 25/ لو 9، 24
Q ➦ متى 10، 39/ لو 17، 33

    • متى ولوقا كانا يملكان مصدراً خاصاً لكل منهما:  هذه العناصر الخاصة بشكلها الحالي لا يمكن أن تكون دليلاً على كونها مصدر مكتوب. قد يكون المصدر مجموعة تقاليد متناقلة في الجماعة الخاصة بكلّ من الانجيليين، وعلى الارجح تقليد شفهي.

 



   

شبّ حريق كبير، ولمّا ضهرو أهل البيت، اشتلقوا إنّو الولد الزّغير بعدو جوّا.
وكان البيّ عم بفكّر كيف بدّو يفوت يجيبو... لمّا سمع صوتو عم بناديلو من الطّابق الأعلى.
قلّو البيّ:" نطّ! أنا هون!"
بس الولد الخايف قلّو:" ما بدّي... أنا مش شايفك!"
وجاوب البيّ بكلّ ثقة:" بس أنا شايفك وناطرك... نطّ ورح تجي بين إيديّ!"
ونحنا... قدّيش بحياتنا في ثقة إنّو عنّا بيّ شايفنا وناطرنا حتّى لو نحنا مش شايفينو.
قدّيش عارفين إنّو عنّا بيّ عم بينادينا حتّى يخلّصنا من صعوبة أو ضعف أو قلق.
وبعدنا نحنا عم نخطّط على قياسنا... من دون ما نلبّي نداؤ.
شو رأيك يكون صومك إصغاء لصوت الرّب بحياتك... ومناسبة ترمي حالك بالخلاص...ومناسبة تشيلك من الخطر... وتخلّيك متكّل على الله الّلي فاتح إيديه حتّى يستلقيك.

 



أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007