خلال أيام الحاش زارنا في الدير- دير يسوع الفادي- شخص مهجَّر من سكان الموصل، كان قد حضر معنا صلاة السهر التي نقيمها خلال أسبوع الحاش وكل يوم جمعة على مدار السنة، كان أوّل مرّة يحضر معنا هذه الصلاة. وبعد الصلاة جلسنا للحوار معنا قبل تهيئة العشاء. وكان مُغتمًا جدا قال: قبل يوميين انفجرت عبوة ناسفة أمام احد الدور المسيحية في حي الساعة، المعروف في الموصل، قُتلَ وجُرحَ أهل البيت. وهذا حدث قبل الأعياد، وبعد هذه الحملة الإعلامية الكبيرة عن وضع المسيحيين في العراق. إنَّهم يتحدوننا وليس من مفر آخر إلاّ الانتقام والرد بالمثل. وبدأ يَسرد عدّة حوادث أخرى، وهي كثيرة جدا في الموصل، من ذبح وخطف وقتل وتهجير وتهديد ودفع "جزية". كان يتكلّم والألم والحسرة تأخذ منه مأخذًا . |
|
لكن هذا ليس موضوع الحديث ما دام الموضوع سياسيًا فإننا كمؤمنين نقرأ الأحداث بطريقة أخرى بعيدة عن السياسة ، حتّى أنَّ يسوع أُعدم سياسيًا لكن الموضوع لم يقف عند هذا الحد بالنسبة إلى الله الذي أقامه، وبالنسبة إلى المسيحيين الذين قرءوا فعل موته وقيامته كفعل الله الخلاصي. إذًا نحن نتجاوز الشأن السياسي لنجد لنا في ما نعيشه رؤية إيمانيّة ورجاء بالتواصل والاستمرار. طبعا أقول نتجاوز الشأن السياسي لا خوفًا، بل بالعكس تمامًا، لكي نكشف ونُعرّي هذا الشأن، ذو الأفعال القذرة، ونجد من خلاله فعل العظمة الذي لا يتصوّره من يُخطط لمصير المسيحيين ومَصير كل العراقيين . |
على الصّليب اختبر يسوع المسيح بشاعة الظلم والشرّ البشري ووَجعَ الإخفاق وألم الفشل في دعوته من اجل الله ومن اجل الآخرين. وهذا الاختبار الإنساني الّذي عاشه يَسوع هو الواقع الّذي يَعيشه إنسانُنا في كل تَضاعيف اختباراته الإنسانيّة. وهكذا يُصبح الألم والصّليب تَجلّيًّا لحقيقة الإنسان المُتألم وواقعه المُر الّذي يَسعى لإطلاق صَرخةِ الرّجاء من أجل إنسانيته. إلهنا الحي، هو الحياة، لا يبتهج إلاّ بالإنسان الحي ويُريد للإنسان أنْ يُحب الحياة ويَحياها بملئها (مجد الله في الإنسان الحي ). |
لا تَعترف المسيحية بالواقعية القائمة على السلبية إلى حد اللامبالاة، لأن الحياة سوداوية او جانب منها سوداوي. انها تتجاوز ذلك بالإيمان الذي هو انتظار، انه الرجاء. انها واقعية بكل معنى الكلمة تحاول ان تفهم التاريخ وصيرورة الزمن من خلال الأحداث الحاصلة وان تعطي لها معنى يُمكّنها من ان تجد هُويتها في هذا العالم. احترام المسيحية للواقعية هو إمكانية لمواجهة التشاؤم واللاتفاؤل، والأحداث السيئة والسلبيّة والتاريخ الظالم والأوقات المظلمة في قراءة مُجدّدة لكل هذا التاريخ. انه محاولة لفهم موضوعي للواقع . |
Lexamoris.com شريعة المحبّة جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م.، 2010 |