رجاء في قلب الدمار
                                                                        

خلال أيام الحاش زارنا في الدير- دير يسوع الفادي- شخص مهجَّر من سكان الموصل، كان قد حضر معنا صلاة السهر التي نقيمها خلال أسبوع الحاش وكل يوم جمعة على مدار السنة، كان أوّل مرّة يحضر معنا هذه الصلاة. وبعد الصلاة جلسنا للحوار معنا قبل تهيئة العشاء. وكان مُغتمًا جدا قال: قبل يوميين انفجرت عبوة ناسفة أمام احد الدور المسيحية في حي الساعة، المعروف في الموصل، قُتلَ وجُرحَ أهل البيت. وهذا حدث قبل الأعياد، وبعد هذه الحملة الإعلامية الكبيرة عن وضع المسيحيين في العراق. إنَّهم يتحدوننا وليس من مفر آخر إلاّ الانتقام والرد بالمثل. وبدأ يَسرد عدّة حوادث أخرى، وهي كثيرة جدا في الموصل، من ذبح وخطف وقتل وتهجير وتهديد ودفع "جزية". كان يتكلّم والألم والحسرة تأخذ منه مأخذًا .
طبعا هذا الكلام اعرفه كلّه لأني عشته ولا زلت، فانا لست من خارج أورشليم، وهو يعلم أني اعرفه جيدًا؛ مع أني اسكن في منطقة من أطراف الموصل، نوعا ما آمنة نسبيا، هي بلده قره قوش- بغديدا ويَقطُنها غالبية مسيحية مع وجود إسلامي. في وقت الشدة والمحنة ليس لدينا إلاّ أنْ نتكلّم لبعضنا البعض، يوما تَكونُ المُتكلِّم وآخر تَكونُ السامع. وهكذا نُساعد بعضنا البعض. لكن كلامه عن الرد بالمثل هو ما جَعلني أقول له كلامًا طويل أطمَئنَّ له وعاد للتفكير من جديد. اذكر منه .
كل ما يحدث للمسيحيين هو لعبة سياسية يلعبها أهلها بدون علم العراقيين الفقراء، مُستغلّيين التركيبة الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية للعراق. وخاصّة الإسلام وعَلاقته بالمتطرّفين الذين لا عَلاقة لهم بالإسلام. لا أقول هذا دفاعا عن الإسلام، فمن المعروف أنَّ أهل الموصل أناس مُتزمّتين حد التطرُّف، لكن مع ذلك لم تكن لتصل الأمور إلى ما عليها إلاّ بتدخُّل أطراف خارجية من اجل أغراض سياسية ومكاسب إقليمية. المسيحييون هم ضحية لعبة سياسية ولم تنتهي بعد، والكل هنا وفي العالم يعرفون ما هي اللعبة وقد سبقونا إلى ذلك الشبك في الموصل، واليزيديين من ثم وهكذا دوليك .



لكن هذا ليس موضوع الحديث ما دام الموضوع سياسيًا فإننا كمؤمنين نقرأ الأحداث بطريقة أخرى بعيدة عن السياسة ، حتّى أنَّ يسوع أُعدم سياسيًا لكن الموضوع لم يقف عند هذا الحد بالنسبة إلى الله الذي أقامه، وبالنسبة إلى المسيحيين الذين قرءوا فعل موته وقيامته كفعل الله الخلاصي. إذًا نحن نتجاوز الشأن السياسي لنجد لنا في ما نعيشه رؤية إيمانيّة ورجاء بالتواصل والاستمرار. طبعا أقول نتجاوز الشأن السياسي لا خوفًا، بل بالعكس تمامًا، لكي نكشف ونُعرّي هذا الشأن، ذو الأفعال القذرة، ونجد من خلاله فعل العظمة الذي لا يتصوّره من يُخطط لمصير المسيحيين ومَصير كل العراقيين .
قلت له: لو لم أكن راهبًا لكنت اليوم ربما قائد إحدى الكتائب المقاتلة. ولكنّي اشكر الله أنَّي لم انزلق إلى هذه التجربة القاسية، التي طالما أربكتني خلال السنيين الماضية، والحمدلله تَجاوزت تلك التجربة لأني لو سرت بالعنف كما يفعل الآخرون بنا ماذا كنّا سنجني غير العنف. العنف لا يأتي إلاّ بالعنف. كنّا سنقتل منهم 10 وكانوا سيقتلون 100، كنا سنُدمِّر جامعًا وكانوا سيُحطّمون كل كنائسنا. إذا نحن نُدمِّر بعضنا البعض، وندمِّر بالتالي بلدنا ومودتنا وإنسانيتنا التي عشنا معًا نبنيها بشركة رغم كل المشاكل والمصاعب التي لاقت أجدادنا، مع هذا تَجاوزوها. فهل لنا نحن ان نعود الى البدايات البدائية ام ننطلق في آفاق إنسانية مع كل الحضارة التي بُنيت وصارت ماثلة؟ إذًا العنف هو ثأر غبي لأنَّه كان سيُحطّمنا ليس على المستوى المادي فقط بل على المستوى الروحي والأخلاقي الذي على المسيحي ان يلتزم به. وهكذا لم نفعل إلاّ الحسن عندما رفضنا الانجرار إلى العنف مثلهم، وكسرنا طوق العنف القاتل بدائرته المستمرة من خلال تحملنا وصبرنا. وبعدم انجرارنا إلى العنف كسرنا طوقه. نحن نتحمّل هذا العنف لأننا بهذا ننتقل إلى مستوى آخر من الإنسانية التي نريد بها الحياة. والالتزام بللاعنف ليس جبن بل جرأة على الاستمرار بطريقة لا يفهمها الأغبياء .
اذا ماذا علينا ان نفعل؟ أن نجد معنى لكل ما يحدث لنا، ورجاءًا في حياتنا. لكن الأمر ليس بالسهولة التي اتكلّم بها، خاصّة لأولئك الذين هُجّروا وتركوا منازلهم وأملاكهم وأعمالهم؛ لأولئك الذين خُطفوا وعُذّبوا واستنفدت منهم أموالهم؛ لأولئك الذين سقط لهم آباء وأبناء في المفخخات والعبوات الناسفة، ومن طلقات المحتلين ومُرتزقة الشركات الأمنية الخاصّة الذين قَنصوا العراقيين كأنَّهم أهداف في لعبة عبثية .
العنف عبثية قاتلة ولكنَّها في النهاية تقتل نفسها بنفسها لأنها فاشلة فتنقلب على ذاتها وتصبح وبالا على نفسها. ما نحتاجه هو الانتظار والصبر والصلاة والتواصل هناك أمل ورجاء في طريق حياتنا .
أولئك الذين يَحضرون معنا لقاءات جماعة الصلاة والرابطة الكتابية في قره قوش، من أهل الموصل المُهجَّرين، تَجدهم رغم فُقدانه كل شيء، وهم غَير قادرون على نسيان ما حدث بسهولة، يتواصلون بالصلاة والحياة انهم في الحقيقة علامة رجاء للاستمرار. إحداهم أمٌّ قبل فترة خَطبت لأبنها، وكانت قبل عدّة سنوات في حالة يرثى لها. لكنّها اليوم وجدت سلامًا رغم الألم وتستطيع ان تقول انها ستجد الحياة مستمرة وهكذا غيرها. انها وغيرها ونحن، نعيش بصعوبة لأن الحياة السهلة هي ان تأكل وتشرب وتكون مرتاحا وآمنا. ستجد معنى الوفرة والأمن. ولكن في فقدان هذه سيكون عليك ان تجد المعنى بعد جد وتعب كبير بسبب الثقل الذي نعيشه. وهذا ليس بالأمر السهل .  



على الصّليب اختبر يسوع المسيح بشاعة الظلم والشرّ البشري ووَجعَ الإخفاق وألم الفشل في دعوته من اجل الله ومن اجل الآخرين. وهذا الاختبار الإنساني الّذي عاشه يَسوع هو الواقع الّذي يَعيشه إنسانُنا في كل تَضاعيف اختباراته الإنسانيّة. وهكذا يُصبح الألم والصّليب تَجلّيًّا لحقيقة الإنسان المُتألم وواقعه المُر الّذي يَسعى لإطلاق صَرخةِ الرّجاء من أجل إنسانيته. إلهنا الحي، هو الحياة، لا يبتهج إلاّ بالإنسان الحي ويُريد للإنسان أنْ يُحب الحياة ويَحياها بملئها (مجد الله في الإنسان الحي ).
في الصليب نَختبر إخلاء الذات الكلي ليسوع المسيح، بحرّيّته التّامة، لا من اجل الفشل، بل من اجل الإنسان لكي يَقدر أن يَحمله مع حرّيته، وبدون غَصب، نحو تَحقيق إنسانيَّة أعمق. فهذا الإخلاء، الحُبّي، هو إحياء للإنسان ولتاريخه وحرّيته المعطَّلة برغباتِهِ الجامدة والمُجَمِّدة للإنسان بفكره وتاريخه .
إنَّ المبدأ الأساسي للمسيحيّة هو في حركة الخروج من الذات بتوجُّهها نحو الله ونحو القريب؛ إنَّ خروج المحبّة هذا هو انجذاب الإنسان إلى خارج ذاته انجذابًا مشدودًا أبدًا إلى الأمام، إلى ابعد من ذاته. ليس مبدأ التضحية في الهدم وتَدمير الكيان الإنساني، بل هو في المحبّة. فليس من قيمة للألم كما هو، إنَّما للانفتاح الذي خَلقتهُ المحبّة مُفسِحَةً المجال لوجودٍ جديد. فالحب وحده يُعطي معنىً للألم .
وبالتالي الصليب- الألم، في المسيحيّة، لا يَحتقر الذات الإنسانية فيرذلها ويبغي إفناءها. إنَّه تحقيقُ الذات الإنسانية في غير ما تحقّقه حضارات التاريخ او إيديولوجيات التيارات السياسية او الاجتماعية. انه الينبوع الذي تغرف منه المسيحيّة الطاقة على الارتداد والتوبة والتًجدُّد. وهو الذي يُلهِمُها ان تضحّي بكل ما يَعلَق بها من دنيويات التسلُّط البشري، كما فعل المعلّم الطيب، يسوع .
الإيمان المسيحي، في احد أبعاده، مبني على الرجاء في انتظار المجيء الثاني للمسيح وترقُّب اليوم الأخير. ولهذا على المؤمن أن يترجّى تدخُّل الله النهائي في اليوم الأخير، الذي فيه يؤسّس الله السماء والأرض الجديدة بعد أن يُزيل القديمة، ويمسح كل دمعة، ويُبلسم كل جرح. نؤمن أنَّ قيامة يسوع افتتحت الزمن الأواخري، وهذا الزمن هو ما نعيشه ونحياه في حياتنا الحاضرة الواقعية. لهذا لا يمكننا ان نترجّى فقط ما سيحدث في نهاية التاريخ لأننا بهذا ننفي اي احتمال تغيير في الواقع التاريخي الحاضر ونستبدله بمنطق الإجهاز على الحاضر ونفي التاريخ كليًّا .
إذا نسأل: ما هو هدف ومعنى الحياة؟ وهل لنا في عراق الإرهاب والتدمير معنى يستحق أن نَسعى إليه؟
في هكذا حياة، كمثل حياة العراقيين، نتصوّر انها لا تستحق إلاّ التشاؤم، وهكذا لا يوجد غاية عظمى لها ومن ثم لا معنى لها. في ظروف حياتنا التي نعيشها بواقعية نذهب بالسلبية لأننا لا نتوقّع أي نقلة نوعية في حياتنا الواقعية. هكذا نحن نوقِّف صيرورة الحياة التي من الممكن ان تتغير نحو الأفضل والأحسن. مع أننا نؤمن بكائن مغاير ومتسامي وغير مَحدود يدفع الحياة نحو الخير لأنه الخير الأعظم .   



لا تَعترف المسيحية بالواقعية القائمة على السلبية إلى حد اللامبالاة، لأن الحياة سوداوية او جانب منها سوداوي. انها تتجاوز ذلك بالإيمان الذي هو انتظار، انه الرجاء. انها واقعية بكل معنى الكلمة تحاول ان تفهم التاريخ وصيرورة الزمن من خلال الأحداث الحاصلة وان تعطي لها معنى يُمكّنها من ان تجد هُويتها في هذا العالم. احترام المسيحية للواقعية هو إمكانية لمواجهة التشاؤم واللاتفاؤل، والأحداث السيئة والسلبيّة والتاريخ الظالم والأوقات المظلمة في قراءة مُجدّدة لكل هذا التاريخ. انه محاولة لفهم موضوعي للواقع .
وهكذا يفعل اولئك المسيحيين الذين يريدون ان يستمروا في صلاتهم ومواضبتهم على المشاركة في الأحتفالات الكنسية ومنهم من بقي وسيبقى صامدا في الموصل مواصلا المسيرة رغم كل الأخطار المحدقة به. انهم بهذا يضعون لواقعهم الماساوي رجاء والا لن يكون منهم سوى يأس مدمّر وإحباط دائم وعجز قاتل. فغيمانهم مفعم بالرجاء لأنه لا يوجد إيمان خالٍ من الرجاء فعندها لن يكون إلاّ اعتقاد بعقائد ونظريات إيديولوجية او بالأحرى لن يكون إلاّ إيديولوجية غير مرتبطة بالواقع التاريخي. وهكذا يصبح ايمان بدون رجاء ميت .
نؤمن بخلاص الله، وخلاص الله يعني تغييرًا في طبيعة الحياة (الشر والضعف) في كينونتها لأننا فقط من خلال الحياة الواقعية نختبر هذا التغيير لأننا كائنات زمنية تعيش في حياة وليست خارج الزمن. رجاؤنا يقوم على قدرتنا، بنعمة الله، على تغير التاريخ المحيط بنا. الرجاء المسيحي يقوم على التغيير وليس على الإفناء على التحرّر من التغرُّب والقلق الإنساني وليس على التقوقع وإفناء الذات. كل تشاؤم ويأس هو إفناء وتدمير .
إذا علينا أن نرجو بمعنى أن نغيّر من حولنا ومن ذاتنا. ما نعيشه رغم كل شيء هو محاولة لتغير الشر الموجود او بالأحرى قل هو زرع الخير حيث فُقد لكي يكون هناك من معنى. إذًا رجاؤنا يقوم على أن الواقع الإنساني السلبي والضعيف والشرير سيتغيّر هنا في الزمن في التاريخ الذي نحن فيه وضمنه وليس خارج عنه او بعد حين. قيامة المسيح هي رجاء حدث في التاريخ مُغيّرة حالة الصليب وكلاهما مرتبطان معا فالقيامة بدون صليب تخيل ميتافيزيقي بعيد والصليب بدون قيامة هو خضوع وقهر للتاريخ الظالم. وهكذا يفتح الرجاء المجال واسعًا لنعيش حالة تاريخية جديدة آتية من صيرورة الزمن، رغم كل الظروف المأساوية والشر الذي نلاقيه في حياتنا
والمسيح أخلى ذاته بشبه العبد، "هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي2/6-8). على الصّليب فتحَ يَديه ليُعانق الجميع ليكون عَلامة انفتاح في ذروة الألم، عَلامة قبول واستقبال الآخرين وحضنهم في قلبِ الألم "وأَنا إِذا رُفِعتُ مِنَ الأَرض جَذَبتُ إِلَيَّ النَّاسَ أَجمَعين" (يو12/32). والناس أجمعين ليسو مسيحيين فقط بل كل البشر. ألام يسوع (دعوة الصليب)، هي اختيار ومُشاركة في ألم الإنسانيّة، إنَّها دَعوة شُمولية تُشفي كل إنسان وكل التاريخ الإنساني. وهكذا يبقى على المسيحيين على مثال مُعلِّمهم أن تكون أياديهم مَفتوحة ومُنفتحة نَحو الآخرين .
انه ليس عقاب من الله ما نتحمّله هنا، بل هو "نعمة" يعطيها الله لنا من خلال ألمنا ليكون درس اهتداء للآخرين الذين يريدون الشر بنا وإقامة العنف من اجل غايات لاإنسانية. المنا ليس رغبة منا عاطفية او تخيل ميتافيزيقي انه شر بحد ذاته لكن تألم الصالح البريء، كمثل الشعب العراقي، يجعل منه الله نعمة لكي يكون شفاء للآخرين وعنوان رجاء من اجل الحياة والنور. فان كان الله معنا فمن يقدر علينا .   




Lexamoris.com
شريعة المحبّة
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م.، 2010