عيد مار أنطونيوس الكبير
(17 كانون الثاني)




 
مار أنطونيوس الكبير
الرسالة Word PDF
الإنجيل Word PDF
  • الإنجيل
  • الرسالة
  • شرح وتأمل
(مر 10: 28 - 31)

وبَدأَ بُطرُس يَقولُ لَهُ: "ها نَحنُ قَد تركنا كلّ شيءٍ وتَبِعْناك!". قالَ يسوع: "ألحَقَّ أقولُ لَكُم: ما مِن أحَدٍ تَرَكَ، مِن أجلي ومِن أجلِ الإنجيل، بَيتًا، أو إخوَةً، أو أخَواتٍ، أو أُمًّا، أو أبًا، أو أولاداً، أو حُقولاً، إلاّ ويأخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ، لاآنَ في هذا الزَمان، بُيوتًا، وإخوَةً، وأخَواتٍ، وأُمَّهاتٍ، وأولادًا، وحُقولاً، مع اضطِهادات، وفي الدَّهرِ الآتي حَياةً أبَدِيَّة. كَثيرونَ أوَّلونَ يَصيرونَ آخِرين، وآخِرونَ يَصيرونَ أوَّلين".

يأتي هذا النص كحلقة اخيرة من سلسلة تتكون من ثلاث احداث: "الدعوة للتشبه بالاطفال" (10، 15) دعوة الشاب الغني الى التخلي الجذري (17 – 27) والحديث الموجه الى من ترك كل شيء واتبع المسيح (28 – 31). هذه النصوص كلها تلتقي حول محور واحد: ضرورة التخلي واختيار يسوع كخير اسمى كوسيلة لولوج ملكوت السماوات. من يتبع المسيح مدعو ان يقبل الملكوت مثلما يقبله الطفل، اي ببساطة وعناية واتكال، فالطفل يثق بأبيه ويعلم انه محتاج اليه ليحيا، يحب ابيه ويتبعه دائما، وهكذا على التلميذ ان يتخلى عن مشاريعه الذاتية ويثق بأن الله هو خيره الأوحد وسبيل خلاصه الوحيد.

الشاب الغني اتبع الناموس، انما على ضوء العقل والعادات، لا على اساس حب الطفل لأبيه وثقته به، لذلك عجز عن ترك كل شيء ومضى حزيناً.

اما التلاميذ، وهنا ينطق بطرس باسمهم، فقد تركوا كل شيء وتبعوا يسوع، خطأهم يبدو جلياً من كلمات : "انظر، ها نحن تركنا كل شيء وتبعناك"، هي كلمات تظهر استعلاء بطرس على الشاب الغني، وتحوي في طياتها الرغبة في الأجر مقابل هذا التخلي، وهو ما يورده متى في سياق الحدث ذاته" نحن الذين تركنا كل شيء وتبعناك ماذا يكون لنا؟" (متى 19، 27). تخلّي التلاميذ عن كل شيء لم يكن كاملاً بعد، فالمطلوب منهم ان يكونوا هم ايضا كالطفل، لا يبحثون عن مقابل بل يثقون بأبيهم السماوي ويعلمون ان كل خير ينالونه هو هبة مجانية لا يستحقونها.

الخطأ الآخر في منطق التلاميذ هو كونهم يحيون هذا التخلي على نطاق خاص، والمطلوب أن يحيوه كجماعة، ككنيسة، لذلك ينقل يسوع التلاميذ من حالة الافراد، من حالة العائلة الانسانية والمقتنيات المادية، الى حالة الكنيسة، حيث يكون لهم مئة ضعف من اخوة واخوات وأمهات هي دعوة موجهة الى التلاميذ ليكونوا عائلة كنسية وليوسعوا نطاق علاقاتهم البشرية: فالقربى لم تعد قربى الدم بل هي الدخول في علاقة محبة مع كل انسان، علاقة تتجلى في علاقة المحبة التي يعيشها التلميذ في الجماعة الكنسية لا على النطاق الفردي.

هذا البعد الكنسي يظهر ايضاً في تعبير المسيح: من اجلي ومن أجل الانجيل. يضع مرقس على قدم المساواة المسيح، الكلمة المتجسّد والانجيل، الكلمة الموحاة والبشارة الحسنة، التي تنقل تعاليم المسيح الى كل مكان وزمان. هي دعوة الكنيسة لأن تحمل حقيقة المسيح وتعلنها، والتلميذ اياً كان جنسه ولونه وزمانه ومكانه، مدعو لأن يحمل في حياته المسيح من خلال اعلان انجيله، ليحصل على الحياة الأبدية. بتفضيل المسيح على الذات يحصل التلميذ على خلاصه.

انما هذه الوعود الجميلة كلها لا تلغي بُعد الصليب الذي يميّز حياة التلميذ، وهذا الصليب هو هنا صليب الاضطهاد، فجماعة مرقس كانت جماعة مضطهدة، والدعوة موجهة لها لأن تحمل صليب الاضطهاد حباً بالفادي وتقتدي به، وتحيا بفرح جماعي كنسي وطأة الاضطهاد لأنه يؤول الى خلاصها.

ان فقر التلميذ الذي تخلى عن كل شيء يظهر في النهاية غنى لا يوازَى، ففي هذا الدهر نال مئة ضعف ما تخلى عنه، لأنه دخل في الجماعة وكبرت عائلته، ونال الحياة الأبدية التي لا يمكن للمال ان يؤمنها. هذا الفقر الذي يؤول الى غنى يتناقض وحالة الشاب الغني الذي رفض الفقر واحتفظ بممتلكاته، بمقدراته الفكرية، بفلسفة هذا العالم، بحرف الشريعة والناموس، ورفض شريعة المحبة التي تجد صورتها الابهى في اتباع المسيح، فآلت حالته الى فقر مدقع، ومضى حزيناً.

الأولون يصيرون آخرين والآخرون اولين: هو الاختلاف بين منطق الانسان الذي لم يعرف المسيح وبين من حمل انجيل يسوع وكان له تلميذاً:
بحسب المنطق البشري الطفل هو الأخير لأن لا قوة له ولا امكانية، اما البالغ فقدرته اكبر لذلك يكون اولاً بالنسبة لمنطق المسيح، الأول هو من يتحلى بحب الطفل وثقته بالله ابيه، لذلك فمن كان طفلاً يكون اولاً.
بحسب البشر، الغني هو الاول لأنه قادر على شراء النفوذ والسلطان بقدرته المالية والفقير هو الاخير لأنه يحيا من فضلات الغني، اما في منطق ورثة الملكوت فالفقير هو الأول، لا لأن الله يكره الأغنياء، انما لأن الفقير هو التلميذ الذي علم ان وجوده وحياته وخلاصه متعلقة برحمة الله وبنعمته، لذلك يكون الفقير الى الله الاول في دخول الملكوت، اما الغني، المستغني عن الله، فيُقصى خارجاً.

 
     

 

   

 

 


 
 

ألأسئلة والتعليقات

 
 
 
 


أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007