(روم 11: 1-8)
أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حاشا! فإنّي أنا أيضًا إسرائيليّ، مِن نَسْلِ إبراهيم، مِن سِبْطِ بِنياميتن. لا، لَم يَرْفُضِ اللهُ شَعبَهُ، وقَد عَرَفَهُ مُنذُ القَديم! أوَما تَعلَمونَ ما يقولُ الكتابُ في شأنِ إيليّا، كيفَ كانَ يُخاطِبُ اللهَ شاكيًا إسرائيلَ ويقول: يا رَبّ، قَتَلوا أنبياءَكَ، وهَدَموا مَذابِحَكَ، وبَقيتُ أنا وَحدي، وهُم يَطلُبونَ نَفسي!". ولكن ماذا يُجيبُهُ اللهُ في الوَحي: "إنّي أبْقَيتُ لي سَبْعَةَ آلافِ رَجُل، ما حَنَوا رُكبَةً لِلبَعْل!". كذلِكَ أيضًا في الوقتِ الحاضِر، لا تَزالُ توجَدُ بَقيَّةٌ باقيَةٌ بِفَضلِ اخْتيارِ النعمة. فإذا كانَ الاخْتيارُ بالنعمة، فليسَ هوَ إذًا من الأعمال، وإلاّ فَما عادَتِ النعمَةُ نِعمَة. فماذا إذًا؟ إنَّ ما يَطْلُبُهُ إسرائيلُ لَم يَنَلْهُ، بَل نالَهُ المُختارون. أمّا الباقونَ فَتَصَلَّبَتْ قُلوبُهُم، كما هوَ مَكتوب: "أعطاهُمُ اللهُ روحَ خُمول، وأعطاهُم عُيونًا كَي لا يُبصِروا، وآذانًا كَي لا يَسمَعوا، إلى هذا اليَوم".
(لو 4: 22-30)
وكانوا كُلُّهُم يَشْهَدونَ لَهُ ويَتَعَجَّبونَ من كَلِماتِ النعمةِ الخارِجَةِ من فَمِهِ، ويَقولون: ألَيسَ هذا ابْنَ يوسف؟". فقالَ لَهُم : "لا شَكَّ أنَّكُم تَقولونَ لي هذا المَثَل: أيُّها الطَبيب، إشْفِ نَفسَكَ. وكُلُّ ما سَمِعنا أنَّكَ صَنَعْتَهُ في كَفَرناحوم، إصْنَعهُ أيضًا هُنا في وَطَنِكَ!". ثُمَّ قال: "ألحَقَّ أقولُ لَكُم: لا يُقْبَلُ نَبيٌّ في وَطَنِهِ. وبالحَقِّ أقولُ لَكُم : أرامِلُ كَثيراتٌ كُنَّ في إسرائيل، أيّامَ إيليّا، حينَ أُغْلِقَتِ السماءُ ثَلاثَ سِنين وسِتَّةَ أشهُر، وحَدَثَتْ مَجاعَةٌ شَديدةٌ في كُلِّ البِلاد، ولَم يُرْسَلْ إيليّا إلى أيِّ مِنهُنَّ، بَلْ أُرسِلَ إلى امرأَةٍ أرمَلَةٍ في صَرْفَتِ صيدا. وبُرْصٌ كثيرونَ كانوا في إسرائيل، أيَّامَ إليشَعَ النَبيّ، فلم يَطْهُرْ أيٌّ مِنهُم، بَل طَهُرَ نُعمانُ السُّريانيّ". فامْتَلأَ جَميعُ الذينَ في المَجْمَعِ غَضَبًا، حينَ سَمِعوا ذلك. وقاموا فَأخرَجوهُ إلى خارِجِ المدينَة، واقْتادوهُ إلى حَرْفِ الجَبَل، المَبْنيَّةِ عليهِ مَدينَتُهُم، لِيَطْرَحوهُ عَنْهُ. أمّا هوَ فَجازَ في وَسْطِهِم وَمَضى.
مار إلياس الغيور، هو من أعظم أنبياء العهد القديم.
معنى اسمه "الله هو يهوه".
ما نعرفهُ عنهُ وصلنا من أخبار سفر الملوك الأول (الثالث). هو "من تشبَة، جلعاد" (1 ملوك 17\1)، اسرائيل، عاش في مملكة الشمال. والأرجح أنّه كان كاهنا من بيت لاوي. حيثُ نراه يُقوم بعمل الكاهن كوسيط بين الله والشعب، ينبّه الملك على خطئه، يُرمم مذبح الربّ ويقدّم ذبائح الرضى للإله الحي (ا ملوك 18\30).
كان إياليا نارا آكلة، وكلامه لهيبٌ متقدّ. وهذا ما كان يعوز زمانه، وقد انغمس في الفساد.
لقد افسدت الملكة الكنعانية ايزابيل الملك احاب، الذي هجر عبادة "يهوه" الاله الحق، وبنى هياكل للبعل.
كانت حياة مار الياس زهدا، وغيرةً على عبادة الله وصرخة جريئة بوجه الفساد. "كان عليه لباسٌ من شعر وعلى حقويه إزارٌ من جلد" (2 ملوك 1\8). وكانت خطواته ثابت وسريعة (1 ملوك 18\46)، واعتاد سُكنى البراري والقفار (1 ملوك 17\2-7)، أو في كهوف الجبال (1 ملوك 19\9)، والنوم في العراء (1 ملوك 19\5)، مما يجعله شبيها بالبدو الرُحّل في الصحاري. ولقد سلك على خُطاه مار يوحنا المعمدان، عائشا حياة شظفة، فيها الكثير من الإماتات والتقشف، شهادا بسيرة حياته على ملكوت الله، الذي "ليس أكلا وشربا" (روما 14\7).
يظهرُ مار إلياس فجأةً في سفر الملوك الأوّل ليقول للملك آحاب بأنّ الله سيُعاقب إسرائيل بالجفاف. "فقال إيليا التشبي لآحاب: "حيٌّ الربُّ، إله إسرائيل، الذي أنا واقفٌ أمامه! إنَّهُ لا يكونُ في هذه السِّنين ندىً ولا مطر إلاّ بأمري". (الله يثبّتُ نفسه الإله الحي، إله المطر والخصب، لا "بعل" الصنم). ثم يهربُ إيليا حسب مشورة الربّ، شرقا عند نهر كريت. "فكانت الغربان تأتيه بخبز ولحمٍ في الصباح، وخبزٍ ولحمٍ في المساء، وكان يشرب من النهر" (1 ملوك 17\6).
وبعد أن جفّ نهر كريت، عبر إيليا بوحيٍ من الله الى صرفت صيدا، حيث نزلَ ضيفا على أرملةٍ فقيرة، وقد شارفت على الموت وابنها اذ لم يبق لهما سوى وجبة واحدة. لكنّ الله أسبغى عليها فيض نعمه بفضل كرم ضيافتها لنبيّه الحبيب. "وجرّة الدقيق لم تفرغ وقارورة الزيت لم تنقص، على حسبِ كلام الربّ ..." (1 ملوك 17\16). وقد صرخ النبي الى الله لإحياء ابن المرأة الكنعانيّة، التي رذلت البعل لتعبد الله الحي، على خلاف آحاب الغاشم. لقد كان إيليا الوسيط بين الله والمرأة الكنعانيّة، التي جُرّبت كإبراهيم الخليل في إبنها، وحيدها... فوجدت مؤمنة. الإله الحقّ هو الّذي يستطيع أن يقيت خائفيه خبزا ولحما، صباحا ومساءً في الصحراء، هو الذي يقود خطى نبيّه الى أرض "بعل" ليشهد للحق. علماً أنّ عباد بعل-إله الخصب- قد جاعوا بسبب الجفاف. الإله الحي هو الذي يتحنن ويشفق على أرملة صرفت صيدا، يكثّر الخبز في معجنها، علامةً للإفخارستيا خبز الحياة، ويُحيي ابنها من الموت، رمزا لقيامته من بين الاموات. لقد قهر الله البعل في عقر داره، ونقض ملكوته.
بعد 3 سنوات، عاد إيليا بوحي الله الى السامرة، لمواجهة آحاب (1 ملوك 18\ 1)، الذي كان يبحث عنه في كل الأرض... "فقال آحاب: أأنتَ إيليا معكر صفو إسرائيل؟ قال له: لم أعكرّ صفو اسرائيل، بل أنتَ وبيتُ أبيكَ بترككم وصايا الربّ وسيركم وراء البعل. والآن ارسل واجمع إلي إسرائيل كلّه الى جبل الكرمل..." (ا ملوك 18\17...).
الخاطئ والظالم والمنافق هو مَن يُعكّر صفو الشعب، وليست الكنيسة التي تشهد للحق، وقيم الحياة في عالمٍ عَماهُ الظلم والأنانيّة.
ذبيحة الكرمل هي ذبيحة الإيمان، بها يرضى الله عن شعبه، ويفتح عيون السماء ليبارك مواسمهم. لكن على الشعب أنّ يعي أوّلاً أنّ الإيمان بالله، أثمن من خيرات الأرض، وأنّ لا إله إلا الله، وأنّ حفظ وصاياه هو طريقُ الحياة. فلا الملك، ولا البعل، ولا الغش ولا الأحتيال يستطيع أن يقي الشعب المصائب، أو أنّ يعطيه الحياة.
عرفت إيزابل بقتل إيليا لأنبياء البعل، فهددتهُ بالقتل. "فخافّ إيليا، وقام ومضى لإنقاذ نفسه...، ومشى في طريقٍ بعيد مدّة 40 يوما و40 ليلة الى جبل حوريب"، حيث تجلّى له الله في النسيم. وكأنّي بالله يُحاول أن يُفهم نبيّه الغيور، بأنّه رؤوفٌ، رحوم. وأنّ تغيير قلوب الناس لا يكون بالقوّة والبطش كما حصل يوم الذبيحة-المذبحة. لكنّ أنبياء البعل الكذبة، المضليلين استحقوا ما حبكوا للشعب، بسبب غيّهم، ورفضهم الإعتراف بخطئهم، على مثال زعيمتهم إيزابل. لقد قادت غيرة إيليا، ومعناته لسنين طويلة ظلم الإضطهاد، وغضبه بسبب القهر والجوع الذي عاناه الشعب، قادته الى المواجهة العنيفة الدمويّة مع كهنة البعل المنافقين. فسيرة مار الياس النبي هي درسٌ لنا في رحمة الله وطول أناته على شعبه، وعدله وهيبته على المنافقين في آنٍ واحد. هو الإله الغيور الذي لا يرضى شريكا معه، لا البعل، ولا علاماء البعل ولا العلم، ولا المال، ولا كلّ ما يزيغ الإنسان عن طريق الحق.
بعد اعتلان الربّ لإيليا في النسيم، أرسل الله إيليا مجددا الى "بريّة دمشق"، ليمسح "حزائيل ملكا على أرام"، و"ياهو بن نمشي ملكاً على إسرائيل، وأليشاع بن شافاط ... نبيّا" (1 ملوك 19\15).
يُمكن القول بأنّ مار إلياس هو رسول الله إلى الكنعانيين والآراميين. ورسالته هي انتقالٌ نوعي لِحَملِ البشارة إلى الشعوب المجاورة لإسرائيل. فالله يقلب المقاييس، فبعد أنّ كانت سطوة وتأثير الكنعانيين وآلهتهم الفاسدة كبيرة على اسرائيل، نرى الله يُرسل إيليا ليمسح "ملك أرام"، ليعيش في صرفت صيدا، ويصنع معجزات الله هناك. سيستخدم الله ملك آرام لكسر الملوك المتسلطين الظالمين، واحقاق الحق في اسرائيل.
قيم إيزابل، وبحسب قصة نابوت اليزرعيلي (1 ملوك 21) هي الكذب، الجشع، النفاق، شهادة الزور، القتل والإرهاب. هذه هي قيم البعل، وقد فشلَ في حماية عباده. أمّا قيم الإله الحي، فهي العدالة، الحق، إطعام الجياع، وأشباع المحتاجين، وإحياء الموتى، والدفاع عن الضعيف والمظلوم.
نحنُ اخترنا الحق، رغم ضلال جدودنا عبدة البعل، فتركنا غيّنا، وتبعنا الإله الحي، الحق، يسوع المسيح، الذي به الحياة، والحق، ولا طريق إلى الآب خارجاً عنه (يوحنا 14\6).