مريم حواء الجديدة:
إن غاية خلق الله للإنسان هي إشراكه في ألوهته، «كيما يكون للإنسان بالإرادة ما لله بالطبيعة». وهذا الهدف الذي يجب على الإنسان بلوغه يبتدئ أولاً بعطية من الله. بالنسبة لأفرام هناك هوة كيانية تفصل جوهر الله عن الجوهر الانساني، لذلك ما كان يمكن للانسان أن يعبر نحو الله أو على الاقل أن يدرك شيئاً عنه لولا أن الله قد أخذ المبادرة وملأ هذه الهوة من محبته بالتجسد كيما يقدر الإنسان أن يدرك نبعه الأول وغايته الاخيرة:
«أي كائن مخلوق يقدر أن يفحص الالوهة؟ إذ أن هناك هوة بين المخلوق وخالقه. إلا أن الألوهة ليست بعيدة عن مقتناها، بسبب الحب الموجود بين الخالق والمخلوق»، «الكائن المتعالي والممجد من الكل، قد تنازل بحبه، تبنى طرقنا، وعانى كل الآلام كيما يعيدنا إليه».
إلا أن النعمة الالهية لا تنفي دور الحرية الانسانية في السعي والسير نحو الالوهة، بل أن الحرية هي صورة الله في الانسان، «لقد أعطى السيد الحرية للانسان كيما يصير له بالارادة ما لله بالطبيعة». وهذه الحرية الانسانية التي هي هبة من الله تقدر أن تختار الخير أم الشر، أي العيش في الله والسعي إلى التأله، أي للعيش خارجاً عن الله، «فإن القلب يقدر أن يختار النور أو الظلمة»
وحين خلق الله آدم وحواء، خلقهما في حالة قدرة أن يختارا إما الخير أو الشر. وسعي الإنسان نحو الالوهة ليس هو شيىء خاطئ، بل هو هدف خلق الله للانسان. إنما الخير والشر يكمنان في طريقة تتميم هذه الهدف: التأله بالنعمة الالهية، أي أن يعرف الإنسان محدوديته وكونه خارجاً من الله ومتعلقاً به، ينال ألوهته من ألوهة خالقه، أو أن يسعى للتحرر عن الله جاعلاً نفسه إلهاً خارجاً عن الله فيفصل الجدول نفسه عن الينبوع فينضب ويجف.
وهذه كانت حالة آدم وحواء، فحواء أم كل الاحياء، المعدة لأن تعطي الحياة لكل بشر وللطبيعة أيضاً والكون بتتميم وصية الله، قد فعلت العكس وأعطت الاجيال كلها ثمرة الموت، يقول افرام: «كان يمكن لحواء أن ترفض التجربة وعندها لكانت نالت المعرفة المعصومة عن الخطأ، ولكانت نالت من شجرة الحياة الحياة الابدية». وهكذا برغبتها في ان تكون هي مصدر الالوهة قد ابتعدت عن مصدر حياتها ففقدت الحياة وأورثت بنيها الموت الذي كان ثمرة حريتها الخاطئة، «لكان يمكن لحواء أن تقول للحية: إن كنتُ لا أقدر أن أرى كما تقولين، فكيف ابصر ما أنا ابصره، أو إن كنتُ لست أعرف التمييز بين الخير والشر كما تهمسين، فلماذا يمكنني إذاً أن أميز أن ما تقولينه الآن خير هو أم شر؟ لماذا يمكنني أن أعرف أن الالوهة هي شيء حسن وأن انفتاح الاعين شيء عظيم، وأن الموت شر؟ كلا إن كان كل هذا ليس بمقدوري فلماذا جئتِ إلي؟ إن مجيئك هو شاهد أننا نملك حقاً هذه الاشياء... ولكن حواء لم تلفظ هذه الاقوال التي بها كانت قدرت أن تغلب الحية، بل بالعكس ثبتت عينيها على الشجرة واندفعت نحو هلاكها».
إنما خطيئة الإنسان ليست قادرة على تحجيم محبة الله ورحمته العظيمة، لذلك بقي يتدخل في تاريخ الإنسان ويهدي خطاه إن من خلال الطبيعة أو من خلال الكتب المقدسة: الرموز والصور والنبوءات الكتابية. لذلك يرى افرام أن مريم جاءت تتمم ما وجب على أمها حواء تتميمه، وبدل تمرد حواء أطاعت هي. وطاعة العذراء مريم تتخطى الطاعة الجاهلة البسيطة إلى طاعة أعمق وأهم. ففي الفكر الشرقي عامة لا يمكن أن يُفصل وجود الإنسان وحياته عن فكرة نموه الروحي وسعيه، كجواب على نداء الله، إلى التأله. هذا العمل الذي تكلم عنه آباء الشرق اليونانيون معطينه اسم Theosis، أي التأله أو Esichia أي حالة الكائن الصامت الهادئ والمستعد لاستقبال كلمة الرب والسعي إلى الاتحاد بطاقته الالهية، دعاه آباء السريان، وعلى رأسهم افرام،شِليُا šelya)) أي السكينة أمام الجمال الالهي، يقول افرام: «إن العلي حين عرف أن آدم اراد ان يصير الهاً، ارسل له ابنه كيما يكون قادراً على تحقيق هذه الرغبة».
إن الدعوة الكيانية المزروعة في قلب الإنسان هي أن يصبح إلهاً بالله خالقه، فيشترك في حياة الله و محبته و يعاين جماله الإلهي حتى يبلغ ملء الكمال الذي دعي اليه. و هنا تكمن أهمية العذراء مريم التي كانت الأولى في تأمل هذا الجمال الإلهي، في صمت الهيكل أولاً حيث أصغت فقط إلى صوت الرب تاركة كل نداء آخر بعكس حواء أمها. كذلك "خضعت و أطاعت" صوت الرب و عملت بمشيئته قائلة "ليكن لي بحسب قولك" رغم كل المصاعب التي تستلزمها الطاعة هذه، فآمنت بالرب و وثقت به فتممت ما كان على أمها حواء القيام به. أما تردد مريم أمام الملاك فما هو بحسب أفرام إلا خوفها من أن يكون الشرير يريد تجربتها و خداعها "كما خدع أمها حواء". إن «حواء قد أعطت العالم ثمرة الموت المرة» لذلك جاءت ابنتها مريم و أعطت العالم ثمرة الحياة. إن مريم قد أعطت الحياة للعالم بعكس حواء التي أورثته موتاً رغم "أنها كانت معدة لإعطائه الحياة، "بتولتان أعطتهما الإنسانية، واحدة أعطت الموت و أخرى وهبت الحياة، بحواء كان الموت للعالم أما الحياة فصارت بمريم".
و كانت حرية مريم في كل هذا حاضرة، لا بل أن بطاعة مريم قد اكتسبت حريتها المعنى الحقيقي للحرية الإنسانية، و بحريتها رسمت ما كان يجب ان تكونه حرية حواء السليمة، فحرية حواء و حرية مريم جوهرهما واحد، «فجوهر الحرية واحد هو عند كل إنسان، إنما مثل العسل الذي يبدو مرّاً للمريض، كذلك الحرية، حرية الخاطيء هي حرية مريضة أما حرية الصدّيق فسليمة». لذلك فإن حرية مريم قد وصلت إلى أقصى كمالها بقبولها مشيئة الرب، لأن مشيئة الرب هي التي تعطي الحرية الحقة السليمة، حرية أبناء الله، معناها الحقيقي. أما حرية حوّاء مهي حرية مريضة، تسعى إلى الألوهة بقواها الخاصة جاعلة نفسها مصدر حياة لها و للاخرين باستقلال عن الله مصدر وجودها حياتها، لذلك «شوهت الحرية جمال آدم إذ أراد أن يصير إلهاً و هو ليس إلا بإنسان». إلا أن رحمة الله قد أعادت إلى آدم، بواسطة حرية مريم، جماله الأول: «إلا أن النعمة قد جمّلت بشاعات آدم حين نزل الله و صار إنساناً».
إن مريم الإبنة قد أسندت حواء أمها التي سقطت، و بدل حواء التي اعطت الموت للجميع صارت لنا الحياة بواسطة مريم.
القديس أفرام وعقيدة الحبل بلا دنس
دخل أفرام صلب الجدال الذي دار (ولا يزال حتى اليوم) بين الشرق والغرب حول عقيدة الحبل بلا دنس التي تمتد جذورها حتى القرون الأولى للكنيسة في الغرب والتي وجدت تطورها واكتمالها اللاهوتي بعد انقسام الكنيسة و أضحت عقيدة كاثوليكية مع البابا بيوس التاسع عام 1854.
إن فكرة عصمة مريم من الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى للحبل بها قد بدأت تظهر تدريجياً في العالم الغربي، و ذلك دون شك بعد مجمع نيقيا (325) لأن هذا المجمع لم يقل شيئاً بهذا الصدد. ثم بدأت تنتشر مع اغوسطينوس فكرة إنتقال الخطيئة الأصلية بواسطة الشهوة الجنسية من حوّاء إلى كل البشرية. وهكذا اضحى للخطيئة سلطان على كل البشرية. ومن ناحية أخرى كان هذا القديس يخوض جدالاً آخر برز في الغرب مع بدعة بيلاجيوس (+382) حول دور النعمة الإلهية في خلاص الإنسان الأبدي: أنكر بيلاجيوس إمكانية إنتقال الخطيئة الأصلية بالولادة إلى كل إنسان، وشدد على دور الحرية البشرية «وحدها» في عملية الخلاص، وما النعمة الإلهية سوى دعم خارجي لحرية الإنسان، أي ان الله يتدخل بالنعمة في حياة الإنسان من خلال الوحي والكتب المقدسة، ومن خلال مغفرة الخطايا، إنما لا تعمل في الحرية بحد ذاتها، أو تكون سبب وجودها وخياراتها الحسنة التي تؤهلها للحياة الأبدية. بتعيبر آخر النعمة الإلهية لا تؤدي بالإنسان إلى خلاصه الأبدي، بل أن حرية الإنسان فقط هي سبب خلاصه، وأي عون من النعمة الإلهية هو فقط عون خارجي. ولذلك انكر بيلاجيوس وأتباعه إمكانية إنتقال الخطيئة الأصلية بواسطة الولادة، وبالتالي فإن الإنسان ليس بحاجة لفداء المسيح منذ ولادته. ولهذا إمتنع البيلاجيون عن تعميد الأطفال، أما بالنسبة لأغوسطينوس (وللكنيسة الكاثوليكية بفضله) فإن النعمة الإلهية هي السبب الأول للحرية الإنسانية ولقدرة الإنسان على إختيار الخير، وبالنعمة فقط تأتي الحرية البشرية إلى الوجود وتختار الخير الذي يؤهلها للحياة الأبدية، ولو لم تكن الحرية مرفوعة بواسطة النعمة لإنحرفت عن مسارها الخيّر وإختارت الشر وبالتالي الموت الأبدي. وهذا لا يعني ان النعمة الإلهية تكبل الحرية الشخصية أو تحدها، بل تنيرها وترفعها، تعضدها ولا تلغي وجودها كما يساعد الصديق صديقه دون أن يلغيه أو يحل مكانه. عندها قام أحد اتباع بيلاجيوس متّهماً القديس أغوسطينوس أنه بتاكيده ان الخطيئة الأصلية هي حقيقة أنتروبولوجية تخضع لها البشرية جمعاء يشمل أيضاً العذراء مريم. فأجاب أغوسطينوس أن مريم لا تخضع لهذه الخطيئة لأنها ولدت بطريقة جديدة و ممّيزة بواسطة النعمة، وهكذا حافظ أغوسطينوس على عصمة مريم من الخطيئة الأصلية في الإطار الصحيح لدور النعمة دون ان يجعلها كائنًا مستثنى من الحاجة العامة للفداء، إنما هي إبنة البشر التي افتديت بواسطة نعمة ابنها بطريقة استثنائية: نعمة الولادة الجديدة.
إنما هذا التعليم بقي نظرية لاهوتية غير ملزمة (Theologoumenon) تنتشر في العالم الغربي نظرا لشهرة ونفوذ القديس أغوسطينوس وانتشار فكره في شمال أفريقيا وكنيسة روما.
أما في الشرق فرغم اقتناع جميع آباء الكنيسة بقداسة مريم ونزاهتها عن كل وصمة خطيئة إلا أن التشديد لم يكن على العصمة من الخطيئة الأصلية بل بالأحرى على تقديس مريم بواسطة الروح القدس، بنعمة من الله وبمادرة منه. ولسنا نجد حتى يومنا هذا أي تحديد يكون بمثابة عقيدة ملزمة للكنيسة الأورثذكسية. فبالنسبة للشرق إن العقائد المريمية قد حُددت في المجامع المسكونية التي سبقت إنقسام الكنيسة، وهي:
أولاُ: أمومة مريم الإلهية، فهي والدة المسيح الإله وليس فقط الإنسان، وهذا ما حّدد في مجمع أفسس عام 431؛
ثانياً: إن مريم هي والدة الله الدائمة البتولية، عذراء قبل الولادة وفي الولادة وبعدها، وهذا ما حدّداه مجمعا نيقيا (القرن الخامس) والقسطنطينية (القرن السادس)،
وثالثاً وأخيراً أن مريم هي شفيعة الجنس البشري لدى إبنها حسب تحديد المجمع المسكوني الرابع.
أما فيما يختص بعيقدة الحبل بلا دنس، فنقطة الإلتقاء الوحيدة بين كنيستي الشرق والغرب هي الخطيئة الأصلية، وهذا ما أقره مجمع البطاركة الشرقيين في تعليمهم الصادر عام 1723، حيث في البند السادس نجد: «إن الخطيئة الأصلية قد إنتشرت بالوراثة إلى ذرية آدم كلها، بحيث لا نجد أي مولود بحسب الجسد خالياً من هذا الوقر ولا يخضع لنتائج هذه السقطة في حياته الحاضرة. إن العذراء القديسة، مثل العديد من قديسي العهد القديم والجديد، لا تستثنى من هذا القانون العام، رغم إنها قد حُرّرت من أية مشاركة في الخطايا المتأتية عن القلب البشري الفاسد المتمرد على إرادة الله، تمرداً لا ينتج عن طبيعته (إنما عن المعصية)». و البند 13 في إرشاده البطريركي الصادر في شهر آب من العام 1895، قال أنتيموس بطريرك القسطنطينية: «إن الكنيسة الواحدة، الجامعة، المقدسة والرسولية في المجامع السبعة الأول قد أعلنت حبل مريم الفريد، الطاهر، البريئ من الخطيئة والفائق الطبيعة، بكلمة الله، بواسطة الروح القدس، وفي المقابل أعلنت الكنيسة البابوية، منذ ما يقارب الأربعين عاماً، عقيدة جديدة، يجهلها تقليد الكنيسة القديم، وستلقى المعارضة القوية حتى من اللاهوتيين اللاتين البارزين».
إنما هذا التعليم الذي قد يبدو للوهلة الأولى تعليماً رسمياً كنسياً ملزماً يتناقض مع مقررات مجمع موسكو المنعقد عام 1666، والذي لم يصدر بحد ذاته تعليماً كنسياً حول هذا الموضوع إنما وافق على كتابين كمحتويين التعليم الأورثوذكسي الصحيح، أحدهما للاّهوتي سيمون بولوتسكي حيث يقول الكاتب «أن مريم كانت بريئة من الخطيئة الأصلية»، والآخر كتاب أرسله بايسي بطريرك أورشليم إلى نيكون بطريرك موسكو يحتوي على تعليم لاهوتي القرن الرابع عشر نيسيفوروس كاليكستوس كسانتروبولوس والذي يعلن بوضوح أن العذراء مريم قد خضعت بدورها لوقر الخطيئة الأصلية.
نستنتج إذاً أن تعليم العام 1723 ليس تعليماً عقائدياً ملزماً. أما ألقول أن فكرة إستثناء القديسة مريم من الخطيئة الأصلية غريب عن فكر الكنيسة الأولى والآباء، فهو قول مبالغ به ولا شك، فآباء شرقيون عدة تكلموا بوضوح حول هذا، فديديموس الإسكندري يطلق على العذراء لقب «العذراء المعصومة دوماً وفي كل شيئ»، والقديس غريغوريوس النزينزي يقول: «حُبل به من مريم العذراء، التي نُقيت مسبقاً في روحها وفي جسمها بواسطة الروح القدس»، وبروكلس بطريرك القسطنطينية يقول: «إن الإله لم يتدنس عندما أخذ جسماً من تلك التي أعطاها الشكل الأول دون أن تخضع للخطيئة»، ويقول القديس صفرونيوس بطريرك أورشليم في عظة حول بشارة العذراء «ودخل الحشا المتألق بالطهارة العذرية، حشا مريم القديسة، العذراء المنيرة، الممتلئة من الحكمة الإلهية والمستثناة من كل دنس في جسدها، وفي نفسها وفي روحها... لهذا أختيرت عذراء طاهرة، لقد قُّدست في نفسها وفي جسدها: ولإنها طاهرة، عفيفة ومعصومة من الخطيئة، أصبحت مشتركة في تجسد السيد».
وعصمة مريم من أيّة خطيئة ولو عرضيّة (وهو مرادف غربيّ أيضا) يظهر من خلال الألقاب التي أعطيت لوالدة الإله وأبرزها Kekaritomene أي الممتلئة نعمة وهو لقب كتابيّ و Panagia أي الكليّة القداسة أو القديسة التي لا عيب فيها.
ويبقى بول إفدوكيموف خير شاهد على تمسّك الكنائس الأورثوذكسية بهذه النظرة للقدّيسة مريم، إنما هذا لا يعني مطلقاً أن إفدوكيموف يقول بعصمة مريم العذراء من الخطيئة الأصلية، وبالنسبة له تبقى مريم «متحدة كيانياً بالروح القدس، وهكذا تضحي تعزية محيية، حواء-الحياة، تحفظ وتحمي كل خليقة وترتقي هكذا لتأخذ صورة الكنيسة ودورها المصلي. إن تكرس العذراء لحياة الهيكل، بحسب التقليد، ومحبتها لله قد بلغا بها حدّاً عميقاً وقوة حتى أضحى حبلها بالإبن جواباً الهياً على هذا التعمق الحياتي في الصلاة، وعلى شفافيتها أمام قوة الروح القدس. وبالرغم من إشتراكها العضوي في ذرية آدم، متشاركة في المصير العام، إلا إنها حُفظت من كل نجاسة شخصية ومن كل الشر الذي جعل غير عامل فيها». وفلاديمير لوسكي، لاهوتي إرثوذكسي آخر يقول: «إنّ مريم تجسّد قمّة القداسة، فهي بقيت مصانة من كلّ خطيئة رغم سلطان الخطيئة الشامل، فالخطيئة لم تكن قادرة على العمل فيها» إنّ إعتراض الكنائس الأورثذكسية على عقيدة الحبل بلا دنس ينجم أولاً على الإختلاف في الرأى لدى الآباء حول هذه النقطة، وعدم إعلانها في المجامع المسكونية السابقة لإنقسام الكنيسة، و ثانياً بسبب التخوّف من أن تضع عقيدة الحبل بلا دنس مريم خارج البشريّة ومصيرها وهي إبنة آدم، فتضحي غير محتاجة للفداء العام الذي تمّ بالمسيح، وهذا ما يشرحه أيضاً إفدوكيموف قائلاً: «والكنيسة الأورثذكسية إذ تعترف ببتولية مريم الدائمة، لا تقبل بتعليم الإستثناء، المحتوى في عقيدة الحبل بلا دنس الرومانية. هذه العقيدة تضع العذراء جانباً، وتفصلها عن المصير المشترك، وتحتّم إمكانية التحرير من الخطيئة الأصلية قبل الصلب، وبالتالي بواسطة النعمة وحدها، في هذه الحالة، كيما يتحقق الفداء كان واجباً أن تكون موجودة قبلاً، وأن لا تحصل العذراء على مفاعيل (الفداء) قبل أن يتحقق. إن تدخلاً مماثلاً من قبل الله، يجعل به تبرير آدم قائماً على النعمة وحدها، يجعل، بنظر الشرقيين، السقطة بحد ذاتها غير مفهومة. إن البرارة الأصلية ، بالنسبة لليونانيين، لم تكن إمتيازاً مجانياً إنما كانت "أساس الكائن بذاته". إن الله لا يعمل على الإنسان إنما فيه، ولا يتصرف بالعذراء بواسطة هبة مضافة (Superadditum)، أنما يعمل من داخل الجهد المشترك والمتبادل بين الروح (القدس) وقداسة الأبرار الذين سبقوا مجيء الإله-الإنسان. كل خير مفروض يتحول إلى شر، وحده خضوع القداسة الحر يكوّن الشرط الإنساني الموضوعي للتجسد، الذي يسمح للكلمة ان يأتي بين شعبه. إن النعمة لا تكسر أو تفرغ نظام الطبيعة، إنما تجعله أكمل. إن يسوع قادر أن يأخذ الطبيعة الإنسانية لأن الإنسانية بأجمعها، في مريم، تعطيه إياها، وبواسطة العذراء يصرخ الجميع: نعم، تعال أيها الرب». هذا الإعتراض لا يتأتى فقط من العالم الأورثوذكسي، فإذا عدنا إلى الوراء وتفحّصنا تاريخ هذه العقيدة لوجدنا أنّ في الكنيسة الكاثوليكية نفسها وُجد اختلاف في وجهات النظر خاصّة بين تيّارين لاهوتيين عريقين: التيّار الفرنسيسكاني المؤيّد للعقدة والتيّار الدومينيكاني المتخوّف من أن تفهم العقيدة كإستثناء لمريم إبنة بشريتنا من الحاجة لأن تكون مفتداة بواسطة المسيح ومتضامنة مع سائر إخوتها البشر. لذلك أوضحت الكنيسة الكاثوليكيّة «أنّ مريم، ومنذ اللحظة الأولى للحبل بها، وبنعمة فريدة وامتياز من الله القدير، ونظرا إلى استحقاقات يسوع المسيح مخلص الجنس البشريّ، قد حفظت بريئة من وصمة الخطيئة الأصليّة». فإنّ مريم قد افتديت بواسطة المسيح إبنها وإلهها، وليس بأيّة طريقة أخرى خارجا عن سرّ تجسّده وآلامه وموته وقيامته، إنّما افتديت «بنعمة خاصّة» وبطريقة فريدة ليتمّ فيها مخطط الله الخلاصي للجنس البشري.
قد لا يكون هذا من صلب الموضوع الذي نعالجه، إنّما لا يمكننا أن ندرس لاهوت القديس أفرام المريمي دون أن نتطرّق لعقيدة الحبل بلا دنس؛ فاسمه يرد كلّ مرّة يدور فيها جدل لاهوتي حول هذه العقيدة بين الكنيستين كمرجع دامغ غير قابل للجدل عن وجود فكرة عصمة مريم من الخطيئة الأصليّة في كنيسة الشرق منذ القرن الرابع.
إن القديس إفرام يعتبر أول الآباء الشرقيين الذين تكلموا عن عدم خضوع مريم لأية خطيئة، لا شخصية ولا وراثية.
بيت شعري واحد كتبه أفرام قد شغل اللاهوتيين لعقود طويلة والهب الحوار والجدل حول إمكانية وضوح عقيدة الحبل بلا دنس في القرن الرابع، في ذلك الجزء من العالم، فقد كتب أفرام في أناشيد نصيبين:
«ليئة التي كانت بشعة وذات العينين المتعبتين أنت يا رب قد جعلتها جميلة، وانا (كنيسة نصيبين) الجميلة، ها هم أبنائي يشتمونني، أنت وحدك وأمك أبهى من كل جمال، إذ لا توجد بك وصمة يا سيد، ولا لطخة في امك، وإزاء هذين الجمالين، أبنائي من ترى يشبهون؟»
قد دار جدل طويل بين علماء آباء الكنيسة بصدد هذا البيت الشعري الذي يظهر للوهلة الأولى كتأكيد لوجود مفهوم عقيدة الحبل بلا دنس في فكر القديس أفرام. إنما وفائنا للمنهجية العملية تمنعنا من إستخلاص نتيجة مبدئية متسرعة لتأكيد وجود هذا التعليم في فكر قديسنا، إذ تلزمنا دراسة شكل النص الأدبي أولاً، مقارنين أياه بمقاطع أخرى من كتابات أفرام، لنرى معنى هذه المقارنة.
هو مقطع شعري قصير يتضمن أربع مقارنات:
بشاعة ليئة - جمال اولادها (جمال جسدي)
جمال كنيسة نصيبين - بشاعة أولادها (جمال روحي-أخلاقي).
جمال المسيح - جمال أمه مريم.
جمال يسوع ومريم - بشاعة أولاد كنيسة نصيبين.
فما هو بُعد هذا الجمال؟ هو ليس فقط جمال جسدي فالعديد من بني البشر يملكون الجمال الخارجي (كأولاد ليئة)، ولا فقط الجمال الروحي أو الأدبي-الأخلاقي، لأن افرام لا ينفي الكمال الأدبي في الأنبياء والقديسين وهنا في كنيسة نصيبين، أنما هو جمال آخر، ذو بعد إنساني، وإلا لأضحت العذراء كائن وسيط بين الإلهي والإنساني، وهذ الجمال يتمتع به إنسانان فقط، يقول أفرام، المسيح الأنسان ومريم أمه.
أذا درسنا هذه المقارنات نستنتج أن القديس أفرام يحصر هذا الجمال بالمسيح وأمه، مستعملاً تعبيرين مختلفين لكل منهما ( موما للمسيح و كوةمةا لمريم)، انما مترادفين، فإختلاف التعابير ليس للتركيز على إختلاف في الحالة بقدر ما هو لعدم التكرار في الأبيات الشعرية.
يستعمل أفرام التعبير نفسه وصمة (موما) في أماكن أخرى من كتاباته، ولا تأخذ كلها المعنى الذي نجده في النص هذا، إلا أنه يميز أنواع الوصمات،فتارة يتكلم عن وصمة الخطيئة الجسدية Mumay fagrâ، المتأتية من إقتراف الخطايا في الجسد المخلوق حسناً في الأصل؛ أو وصمة الخطيئة الفكرية Mahšabto Mumay التي يرتكبها خاصة أولئك الذين يسعون لإدراك سر الألوهة بقوتهم الذاتية ( وهم على الأرجح الآريوسيين)، أما هنا فهو دون شك يتجاوز هذين البعدين نحو مرحلة أسمى، الحالة الكيانية الفريدة التي تميّز المسيح وأمه فقط عن باقي الطبيعة البشرية (وعن الآباء، الأنبياء والقديسين ضمناً)، فلا يعقل إذاً أن تكون هذه الوصمة ذات بعد أدبي تطبيقي فقط من ناحية عدم إقتراف الخطايا الآنية، بل هي تعلو إلى المستوى الكياني، من حيث عدم إشتراكها في ميراث آدم وحوّاء، فنستنتج من هذا أن المقارنة أن مريم كانت معصومة من كل وصمة الخطيئة بدءاً من الخطيئة الأصلية.
أنما السؤال الذي يُطرح في هذا المجال هو عن ماهية مفهوم القديس أفرام للخطيئة الأصلية، ويقول هامّرسبرغر، باحث في علم في آباء الكنيسة، أن النص الذي درسناه أنفاً، الموجود في أناشيد نصيبين، لا يمكن ان يُفهم من ناحية براءة مريم من الخطيئة الأصلية، وذلك لسبب وجيه ومحق، ألا وهو انه لا يمكن ان يكون قد تكوّن لدى القديس أفرام مفهوم الخطيئة الأصلية، ولا يمكننا ان نستشهد بكاتب ما لدعم عقيدة معينة إلا إذا اثبتنا ان هذا الكاتب قد تكلم عنها فعلاً، وأنه قد بلوَر مفهوماً واضحاً لها ولما يعارضها، وعليه فلا تقدر ان نتأكد من ان القديس افرام قد فهم الخطيئة كنقص يلحق بالنفس منذ الولادة، أو انه في النص أعلاه يتكلم عن مفاعيل أو نتائج الخطيئة الأصلية التي سببتها سقطة حوّاء في جنة عدن؟
لو كنا نكتب هذا البحث قبل خمسين عاماً لكنا إقتنعنا ربما بوجهة نظر هامّرسبرغر، ففي السنة التي كتب فيها عمله، إي في سنة 1938، لم يكن قد ظهر إلى العلن أحد أهم أعمال القديس أفرام، أقصد به النص السرياني الأصلي في شرح إنجيل تاتيانوس الدياتسّرون. فهذه التحفة كان قد فُقد نصها السرياني، كانت موجودة فقط مترجمة من الأصلية إلى اللغة الأرمنية، ونشرت (بالأرمنية) سنة 1846، وفي سنة 1876 نشر النص الأرمني مع ترجمة لاتينية ثم نشرها الأب لولوار سنة 1953-1954 بالأرمنية واللاتينية. إنما في سنة 1957 وجدت النص الأصلي السرياني، فترجم سنة 1961 ونشر سنة 1963 و سنة 1965. هذا العمل الذي لم يوله هامّرسبرغر أهمية كبرى قادر اليوم أن يضحض نظريته. ففي شرح الدياتسرون يظهر بوضوح وعي القديس أفرام للخطيئة الأولى، أو المتوارثة، أو خطيئة حوّاء، خطيئة مشتركة بين كل الطبع البشري ونحملها لا بسبب عمل إرادي خاطئ إنما لحظة الولادة.
في شرح القديس أفرام للدياتسّرون نجد أمثالاً متعددة تؤكد وجود مفهوم أولي وواضح للخطيئة الأصلية بشكل عام في كتابات أفرام، لا سيّما في شرحه للدياتسّرون، فنجده مثلاً يقول:
"هذه هي حكمة الله، الإنسان الساقط قد أقامه الإنسان (أي المسيح المتجسّد) إنّ جسد آدم هو سابق لأهوائه الشريرة، وهذه الأهواء الشريرة كانت مرضا أضيف على طبيعته السليمة لذلك لم يأخذها الربّ (حين تجسّد). لقد لبس الطبيعة البشريّة صحيحة، وهي التي فقدت صحّتها، كيما يعيدها إلى حالتها الأولى".
في تحليل لهذا النص قد نقع في حيرة: أيّ إنسان يتكلّم عنه أفرام؟ أيقصد الإنسانية بشكل عام، أي آدم وحوّاء وذريتهما، أم كلّ إنسان بشكل فرديّ. (الطبيعة البشريّة أم الأفراد). وكلمة "الساقط" ماذا تعني؟ اسقطة المعصية الأصليّة أم الخطايا الحياتية الآنيّة التي يقترفها الإنسان. وبالمقابل يشدّد أفرام على النعمة الأصليّة أوالنقاوة الأصليّة التي سبقت كلّ خطيئة، وعلى الطبيعة السليمة التي اضيفت إليها الأهواء المنحرفة. من المرجّح بالنسبة إليّ أنّ هذه الأهواء، بحسب الأسلوب الأفرامي، تشمل جميع بني البشر دون استثناء سوى المسيح الإنسان (ومريم إذا أخذنا بعين الإعتبار نص أناشيد نصيبين)، وهذا يدلّ على إمكانية وجود مفهوم لخطيئة لن أدعوها أصليّة (لأنّ القديس أفرام لا يدعوها كذلك)، إنّما خطيئة أولى أو خطيئة مشتركة تمسّ الطبيعة البشريّة. فلو كانت خطيئة فرديّة نابعة عن الحريّة الشخصيّة لكان من البديهي أن لا يرتكبها المسيح وهو الإله الكامل والإنسان الكامل، ولما لزم لأفرام أن ينوّه أنّ "الربّ لم يأخذها"، أو على الأقلّ لقال "لم يرتكب خطيئة".
ويكمل أفرام شرحه قائلا: "إنّ شمشون بفكّ حمار قد قتل العديد من الرّجال، والحيّة بواسطة حوّاء قد قتلت كلّ الجنس البشري…" وهنا نتساءل حول السبب المباشر لموت الجنس البشري: نعرف أنّ السبب الأوّل هي الحيّة، والوسيلة هي معصية حوّاء أمّا السبب المباشر لموت كلّ إنسان فما هو؟ أهل هي الخطيئة الأصلية العاملة فيه أم أنّ الموت هو من مفاعيل الخطيئة الأصلية، بتعبير آخر هل نرث الخطيئة الأصليّة أم نرث فقط مفاعيلها؟.
فلنحلل المثل الذي أعطاه أفرام:
من ناحية نجد أن سبب موت العديد من الرجال (كل أعداء شمشون الحاضرين أمامه دون إستثناء) هو فكّ الحمار. كلّهم ماتوا بطريقة واحدة، فلم يموتوا واحدا بفكّ الحمار والآخرون ماتوا نتيجة مفاعيل ضربة الفكّ. ومعصية حوّاء كانت الوسيلة للشيطان و السبب الأوّل لدخول الموت إلى الجنس البشري بأسره، وكما أنّ العديد من الرجال ماتوا بسبب ضربة الفكّ كذلك بنفس الطريقة مات الجنس البشري بسبب الخطيئة الأولى.
إنّما الإعتراض قد يكون في الإختلاف في المثلين بين البعد التزامني والبعد التتابعي بين نسل حوّاء الذي جاء زمنيا بعدها وأعداء شمشون الذين كانوا في مواجهته معا في نفس المكان والزمان. ولو أنّ الموت بسبب فك الحمار قد طاول أولاد هؤلاء الرجال لأمكننا القول أنّ أفرام يقصد الخطيئة الأصليّة. هو اعتراض محقّ ولا شك ومنطقي أيضا، إنّما لا يجب أن ننسى أنّ الفارق هو أنّ حوّاء هي كائن حيّ قبلت الخطيئة لمرّة واحدة في التاريخ إنّما في كلّ كيانها، وهذا يعني أنّ هذه الخطيئة قد دخلت أيضا تاريخ حوّاء ومستقبلها، وبإعطائها الحياة صارت تعطي هذه الخطيئة التي قبلتها في نفسها والتي جعلتها خيرها الأسمى بدل الله فنقلتها إلى ذرّيتها كما كانت ستنقل القدرة على التألّه لو أنّها اختارت الله خيرها الأسمى، بينما الفك هو كائن ميت لم يختر الموت إنّما كان مجرّد آداة دون حريّة في يد شمشون وهذا لا ينطبق بالمطلق على حوّاء، فكّ الحمار أعطى الموت للموجودين وليس لأولادهم وهذا صحيح إنّما هو لا يزال هناك في الصحراء قادر أن يعطي الموت لأولادهم أيضا بعد عشرين عاما بواسطة شخص آخر. لذلك علينا أن نفهم مغزى أفرام اللاهوتي الرمزي وليس الحرفي من إعطائه المثل.
وفي مكان آخر يقول القديس أفرام: «على إثر سقطة آدم، إرتدت كل الخليقة السقوط، بحسب كلمة الرسول: لأن الخليقة قد أخعت للباطل (روم.8،20) وابن الخالق قد جاء يشفيها، كيما ينتزع لحظة مجيئه كل الأدران بعماد موته، كما قال هو نفسه: "قد اتت الساعة، يا أبتاه مجد ابنك ليمجدك ابنك" (يو.17،1). لم يطلب هذا كمحتاج يريد ان يحصل على شيء ما، بل لأنه أراد أن يرمّم كل شيء ويتمم نظام الخليقة الأول، لقد طلب المجد الذي كان يرتديه حين كانت الخلائق متوشحة بالمجد أيضاً، لأنه كما أنه بنعمته قد خلق جوهر الخلائق كيما تكون دون وصمة في المجد والقدرة التي كان هو يرتديها، هكذا، برحمة الله سيكون خلق جديد لكل شيء، دون اية وصمة بالمجد الذي إرتداه». فإا ربطنا هذا النص النثري بالمقطع الشعري من أناشيد نصيبين الذي أوردناه إنفاً: «أنت وحدك وأمك أبهى من كل جمال، إذ لا توجد بك وصمة يا سيد، ولا لطخة في امك» ماذا نستنتج؟
-إن الله قد خلق الإنسان في البدء دون أية وصمة، في حالة برارة وإشتراك في الحياة الإلهية.
-إن الخليقة قد إرتدت كلها الفساد بسقطة آدم.
-إن الله برحمته إراد ان يعيد الخليقة إلى برارتها الأولى، «بعماد موت» الإبن، لتكون دون أية وصمة.
بما يتعلق بحالة الإنسان الأولى لا داعي لأي جدل، خاصة وأننا قد تكلمنا عنها آنفاً، لأن ما من احد يعارض هذه الحقيقة الكتابية. أنما السقطة التي إرتدتها الخطيئة كلها بسبب آدم ما عساها تكون إلا الخطيئة الأصلية، ولنفترض جدلاً أنها ليست الخطيئة الأصلية، سواء أدعاها القديس أفرام خطيئة آدم، أو اللطخة التي لحقت بالبشرية أو أي تعبير آخر، أليست هي خطيئة متوارثة عن معصية آدم وحّواء؟
لولا وفائنا للمنهجية العلمية وتخوفنا من التسرع في الإستنتاج لجزمنا أن هامّرسبرغر مخطيء في مقولته، إنما فلنكمل النص: إن تبرير الإنسان وإعادته إلى المجد الأول الذي كان يرتديه لن يتم إلا من خلال موت المسيح، ونزوله إلى الجحيم، مثوى الأموات، ليخلص آدم وذريته (وعلى الأرجح هذا ما تعنيه عبارة عماد موته، ففعل عمد يعني في السريانية إما إعتمد أو أيضاً غاص وغطس، وبهذا المعني يعني الفعل غاص في مثوى الأموات ليخلص آدم، أنما هذا النص من الدياتسرون محفوظ بالأرمنية، ولا بد ان المترجم من السريانية إلى الارمنية قد فهم الفعل بمعناه الأول وهذا ما يبرّر الغموض الذي يكتنف عبارة عماد موته). إذاً فبموته، شاء الرب أن يعيد إلى آدم، بمريم، ثوب المجد الذي كان قد فقده بالمعصية: «آدم، في عريه، كان جميلاً، وزوجته كان ماهرة، فحاكت له ثوب أدناس، وحين رأه الفردوس مدنساً طرده خارجاً، إنما بمريم قد حيك له ثوب جديد». إذا عدنا أيضاً إلى نص أناشيد نصيبين نجد المسيح ومريم فقط دون هذه الوصمة، ونفهم فوراً غياب هذه الوصمة من شخص المسيح، الإله الكامل والإنسان الكامل، إنما غيابها من شخص مريم يدعونا إلى السؤال حول سبب ومعنى هذا الغياب الذي يساويها في هذه الناحية بالمسيح؟ ما مرّد هذه البرارة في شخص مريم؟ قد يكون إما إمتياز إلهي وإنعام خاص لتتميم مخطط الله الخلاصياً مبرراً مريم مسبقاً بطريقة تفوق الطبيعة، وإما تبرير لمريم كما لكل الجنس البشري وبالوقت نفسه، إنما كانت الفرضية الثانية صحيحة فلماذا حصر أفرام هذه البراءة من الخطيئة فقط في المسيح ومريم ولم يذكر سائر الخلائق التي عادت مع مريم إلى مجدها الأول؟ إن فصل أفرام لمريم عن سائر الجنس البشري من ناحية البراءة من خطيئة آدم وحواء هو ولا شك إمتياز لمريم، ومن خلالها للجنس البشري بأسره، إذ يتم تبريرها بطريقة إستثنائية لتتميم سر الفداء، وهكذا تضحي مريم مشاركة للجنس البشري في الحاجة العامة لفداء بواسطة المسيح، إنما بطريقة مميزة لتضحي حريتها ناطقة بإسم الجنس البشري بأسره، وهكذا لا تضحي عملية فدائنا من جانب واحد، دون أي دور للحرية الإنسانية في الإختيار والقبول، بل تضحي إنسانيتنا باسرها شريكة في الفداء بواسطة شخص مريم.
أما في أناشيد نصيبين فيتكلم القديس افرام عن الخمير الموجود في جميع البشر فيقول: «قد نظرت الأنبياء والصديقين، قال الشرير لصحبه، ورغم شدة فضيلتهم وجدت نسمة مني في جبلة بني البشر، فهي (جبلة بني البشر) مقترنة بخميرنا»، وهذا الخمير لا يمكن ان يُقصد به الخطايا الآنية والشخصية التي يقترفها بنو البشر، وإلا فكيف نفسر وجودها في الأطفال أيضاً: «قد نظرت في الأطفال بني الصديقين، والرضّع بني العفيفات، ونظرت اليهم في الحشا واحداً فواحداً، وأبصرت خميرنا فيهم».
لذلك لسنا نوافق هامّرسبرغر القول أن لم يكن لأفرام أيّة فكرة أو تصوّر للخطيئة الأصليّة، وأوافق رأي القائل أنّ التعبير بحدّ نفسه لم يكن موجودا إنّما هذا لا ينفي مطلقا وجود مرادف له مختلف لغوياّ يحمل المعنى نفسه. إنّ المشكلة هنا تكمن في علاقة مريم بخطيئة حوّاء، وتعليم أفرام يبدو واضحا جدّا من ناحية إقتناعه بتقديس مريم ساعة البشارة بواسطة الروح القدس، تعليم مشترك بينه وبين مجمل آباء الكنيسة الشرقية. بهذا الصدد نجد نصوصا متعدّدة كتبها أفرام ومنها النشيد ال … في حوار مريم والملاك ساعة البشارة وشرحه لنصّ لوقا في بشارة الملاك لمريم العذراء حيث يقول: "فقالت له مريم كيف يكون هذا وما عرفني رجل فأجابها الملاك إنّ الروح القدس يحلّ عليك وقوّة العليّ تظلّلك" لماذا لم يذكر الملاك إسم الآب بل بالأحرى قوّة العليّ والروح القدس؟ لأنّه من الأنسب أن يأتي مهندس الخلائق ويبني الهيكل المتهدّم، وأن يقدّس الروح القدس بناره الهيكل الملطّخ. إن كان الآب قد أعطى الإبن الدينونة في الزمن الآتي فمن المؤكّد أنّه بواسطته خلق الإنسان وأدّبه. هو كان الجمرة التي جاءت تشعل النار في العوسج والأشواك (تك 3/18). قد حلّ في الحشا ونقّاه فقدّس موضع آلام الولادة واللعنات (تك 3/16). إنّ الشعلة التي رآها موسى تلهب العليقة والعليقة تشتعل وتقطر دهنا، العليقة المشتعلة التي لا تحترق كانت صورة للذهب المنقّى، وصورة لهذه النار الحيّة التي ظهرت في ملء الزمن وحلّت في حشا العذراء وألهبته وحفظته كما فعلت النار في العليقى.
شرح رائع يعيدنا إلى سفر التكوين فنرى الجنس البشري الساقط الذي دعاه أفرام البناء المتهدّم يعود فيرتفع بواسطة مريم والأرض التي أصابتها لعنة حوّاء فأصبحت تنبت الشوك والعوسج عادت فأعطت الغلال بمريم وحشا حواء الذي أضحى بالآلام يلد البنين قد تقدّس بواسطة الروح القدس في مريم. لا يجب أن نفهم هنا فعل قدّس بمعنى أنه نزع الخطيئة أو الإثم، فإنّ فعل ق د ش في اللغات السامية لا تعني فقط إضفاء طابع القداسة على كائن ما، إنّما تعني أنّ ما تقدّس أصبح مفصولا عن باقي الأشياء أو عن الجماعة وصار في تصرّف الربّ. بهذا المعنى قد تقدّس حشا مريم بحلول الروح القدس، وقد لايعني هذا بالضرورة أنّه كان ملعونا ثم أصبح طاهرا إنما يعني أيضا أنّه قد اختير من بين سائر الأحشاء وفصل بنعمة خاصّة وفريدة كيما يكون مقدسا للربّ، ولهذا يدعى الراهب المتبتّل في التقليد السرياني قديساً، إذ نذر ذاته للرب دون شريك آخر فأضحى ملكه، وقدوس الله هو مسيحه، أي الذي إختاره الله وفصله، وبهذا المعنى كان شمشون وأشعيا ويوحنا المعمدان قديسين، إذ قد فصلوا بإختيار ونعمة إلهيين، وأوكلوا مهمة إعلان كلمة الله. بقوله قدّس الحشا، أو الحشا المقدس، ينبغي ان نفهم الحشا الطاهر من حيث العذرية لا من حيث دنس الخطيئة. ولذلك يستعمل أفرام فعل قدّس متكلماً عن المسيح، قاصداً معنى الفصل لخدمة الرب، فيقول في الأناشيد حول سيدنا يسوع المسيح: «فحين كان سمعان يقدس جسد الطفل الذي يقدّس الجميع نال جسدُه الكهنوت بتقديسه» من البديهي أن المسيح لا يحتاج إلى تقديس وهو الله، إنما التقديس الذي تكلم عنه أفرام وجعله مصدر كهنوت المسيح، هو أنه قد فصل على يد سمعان، بصورة نبوية، ليكون ككل إسرائيلي، وقفاً للرب، وأهم دليل على ذلك هو البعد الكهنوتي الذي رآه أفرام نتيجةً لهذا الفصل. وبهذا المعنى فقط يمكننا ان نفهم تقديس حشا مريم دون أن يولد تناقض غير منطقي في محتوى نصوص أفرام. بواسطة حشا مريم الذي تقدس، أي فُصل ليكون ملكاً للرب فقط، قد تغيّر نظام الطبيعة فأزيلت اللعنة عن الجنس البشري بالبركة التي حلّت على ابنة الآب التي "لا وصمة فيها" كما يردّد أفرام مرارا، والأرض التي كانت تعطي شوكا باتت تعطي بركات وحشا حوّاء الذي لعن قد استبدل بمريم حواء الجديدة والتي لم تعرف ألم الولادة وأعطت المسيح كيما يموت عن الجميع محرقة كاملة للربّ بدل قايين إبن حوّاء الذي قتل أخاه لأنّ محرقته كانت غير مقبولة. بهذا المعنى علينا أن نفهم النص الأفرامي، فالبناء المتهدّم ليس هو مريم إنما هي البشريّة التي أعطيت الخلاص بواسطة والدة الإله، والهيكل المدنّس ليس هو حشا مريم إنّما حشا حوّاء وبناتها الذي نال تقديسه بواسطة من يأتي من حشا مريم بهذا المعنى يقول أفرام: "لقد قلب الأنظمة حشا أمّك". إن حشا مريم أضحى ممثلاً لما كان حشا النساء عليه في البدء، وما يجب أن يضحيه مجدداً، إي إن يخلص من لعنة الخطيئة، والآم الولادة هي إحدى مفاعيلها (ولهذا لم تقاسها مريم)، فيقول القديس أفرام: «طوبى لكِ أيتها القصر، قصر الملك، الذي بابه أكبر من المائتين (بمعنى ممنوع)، ألملك الممجد قد حلَّ داخلك، ليكون حبّه سوراً لجمالك، وحشاك قد هرب من فساد اللعنة. بواسطة الحية حلت الآم النساء، و(بك) يخزى ذاك القذر إذ يرى أن فساده غير موجود في حشاك».
إنّ طهارة مريم الكاملة والتامّة وجدت اكتمالها ساعة البشارة بحلول الروح القدس عليها وبطاعتها الشخصية، فتقدّست وجعلت ملكا للسيّد وحده ومسكنا له. إنّما هذه الطهارة التّامة قد عاشتها مريم منذ لحظة ولادتها كما نجد في إنجيل يعقوب المنحول، الذائع الصيت في زمن أفرام ومصدر غالبية التقاليد الشعبية المريميّة، قد نذرت لخدمة الربّ فقدّمت إلى الهيكل في اليوم الثامن، وفي عمر الثالثة ذهبت للسكن في الهيكل تهذّ في الكتب المقدّسة وتتأمّل كلمة الله ليلا ونهارا فلم تعرف الخطيئة سبيلا إليها.
ويصرخ أفرام بنشيد رائع مخاطبا الربّ قائلا: "وحدك يا رب دون وصمة خطيئة ووحدها أمّك دون ايّة لطخة"، ألا يدفعنا هذا للتفكير في امتياز مريم الفريد الذي تكلّم عنه البابا بيّوس التاسع معلنا عقيدة الحبل بلا دنس؟
فكرة أخرى ملفتة يجدر بنا التوقف عندها ليكتمل بحثنا، إذ يقول أفرام في تفسير الدياتسّرون: «إنما، كما أن الأجساد نفسها قد خطئت وماتت، وأن الأرض، أمها، قد لُعنت، هكذا أيضاً بفضل هذا الجسد (المسيح الإنسان) الذي هو نفسه الكنيسة التي لا يطالها الفساد، كانت أرضه مباركة منذ البدء. إن الأرض هو جسد مريم، هذا الهيكل الذي في داخله قد وضع الزرع. إنظر الملاك يأتي ويضع الزرع في أذن مريم. بهذه الكلمة الجلية قد بدء يزرع: السلام معك، مباركة أنت بين النساء، وأليصابات قد أكدت هذه الكلمة، قائلة مرة جديدة: مباركة أنت بين النساء، فيظهر هكذا أن بسبب الأم الأولى التي كانت ملعونة، حملت الأم الثانية لقب مباركة».
إن هذه المقارنة بين حوّاء ومريم مرة جديدة تعلن بشكل قاطع إختلاف مريم الكياني عن حواء وكل نسلها، لا من ناحية الطبيعة، لأنها بالطبيعة أبنتها، إنما من ناحية كيانها الذي لم تطله خطيئة أمها، بل أصبحت بالنعمة والدة امها للحياة الجديدة بالمسيح.
المحيّر في هذا النص هو تشبيه مريم بالأرض التي أخذ منها آدم، ونعلم من الكتاب المقدس أن هذه الأرض كانت بريئة في البدء، أي عندما خُلقت، ثم لعنت بسبب خطيئة آدم (راجع تك. 3،17)، وبهذا المعنى يقول القديس أفرام:
«أنت يا رب علمني كيف ولماذا قد حسُن لديك أن تولد من حشا بتول؟ أهكذا أيضاً صورة آدم في نقاوتها الأصلية، جُبلَت من الأرض العذراء...؟»، وبالتالي نتساءل هل أن هذه اللعنة تطال مريم التي يدعوها افرام الأرض الجديدة؟ وبالمقابل نجد نصوصاً أخرى شبه فيها أفرام،بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، العذراء مريم بجنة عدن التي منعت عن آدم وحوّاء إثر الخطيئة.
أن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل أن الخطيئة التي اقترفاها آدم وحوّاء قد طاولت أيضاً جنة عدن أم لا. هل أن جنة عدن، أو الفردوس، هي نفسها الأرض التي لُعنت بسبب خطيئة الإنسان ام أنهما مكانان-حالتنان مختلفتان، وإن كانا واحداً فما الضرورة في أن يضع الرب الإله كروب وسيف ناري ليحرس باب الجنة لئلا يدخلها الإنسان ثانية؟
نجد جواباً واضحاً لهذا السؤال في عملين خطّا بقلم القديس أفرام وهما من الأهمية بمكان، أعني بهما تفسير سفر التكوين عامة، حيث نجد تعليم أفرام حول الخلق والمجد الأول في الفردوس والسقطة والخروج من جنة عدن، وفي أناشيد الفردوس بشكل خاص، حيث نجد شرحاً مفصلاً يوّسع إختصار شرح سفر التكوين.
والهدف من بحثنا هذا هو معرفة أية أرض عنى بها أفرام بتشبيهه لمريم: أهي شبيهة بالأرض التي أخذا منها آدم وحوّاء، وبالتالي تضحي مريم وريثة لخطيئة جديها، أم ان القديس قد عنى أرض الفردوس حيث نبتت شجرة الجياة، التي ترمز للمسيح؟ وبالتالي نطرح تسائلاً آخراً، هل أن ارض الفردوس هذه تختلف عن الأرض التي لعنت بسبب الخطيئة ام أن كلتاهما واحدة، وبالتالي فالخطيئة الأولى قد طاولت الأرض التي نبتت فيها شجرة الحياة، وبهذا نستنتج أن أفرام لا يستثني مريم من وصمة خطيئة آدم وحوّاء، الخطيئة التي دعيت فيما بعد الخطيئة الأصلية؟
في تفسيره للفصل الأول من سفر التكوين يقول القديس أفرام: «أثمروا واكثروا واملأوا ليس الفردوس، إنما الأرض»، مما يعني أن الأرض التي ستلعن نتيجة خطيئة الإنسان ليست هي نفسها الفردوس، الأرض التي نبتت شجرة الحياة في وسطها.
ويكمل أفرام مؤكداً: «فإن كان قد بالخلق والبركة، قد خُلق وتبارك ليتسلط على الأرض وعلى كل ما فيها، فالسماح بحلوله (الإنسان) في الفردوس قد أظهرت البركة سبق معرفة الله، وبإسكانه (الإنسان في الفردوس) الذي سكنه ظهر عظم رحمته. لئلا يقال أن الفردوس لم يخلق لأجله (لأجل الإنسان) قد أسكنه هناك في الفردوس، ولئلا يُقال انه (الله) لم يكن يعرف ان (الإنسان) سيخطأ لم يباركه في داخل تلك الأرض (الفردوس)...وهكذا لم يباركه في الفردوس، لأن ذالك المكان وكل ما فيه كان مباركاً. قد جاء وباركه في الأرض التي ستلعن بعدها بعدله...». نستنتج إذاً أن الفردوس ليس هو نفسه الأرض التي لعنت بسبب خطيئة آدم فصارت مصدر ألم وأشواك، كما يقول أفرام «ودهشت لما إجتزت اسوار الفردوس، بقيت وحدي وعادت المسرات رفيقاتي أدراجها، ولما بلغت شاطيء الأرض أم الأشواك، لاقتني الأوجاع والأحزان من كل صنف، فهمت ان مكاننا، بالمقارنة مع ذاك المكان لهو سجن، يبكي فيه السجناء ساعة يخرجون منه». إن نص الدياتسرون يوضح أن مريم هي الأرض الأولى التي منذ البدء لم يطلها الفساد، وهي إذاً في هذا النص على الأقل، الأرض الأولى وليست الفردوس. إنما في نصوص أخرى يشبه أفرام العذراء مريم بالفردوس الذي فيه نبت المسيح، شجرة الحياة، فهل إن القديس يناقص نفسه سهواً أم إن هناك سب آخر لهذا التناقض؟
كما اوردنا سابقاً، إن سر مريم لا يمكن أن ينفصل عن سر المسيح، ومعالجة القديس افرام للسر المريمي كان يهدف للدفاع عن السر المسيحاني ويوصل العقيدة المستقيمة إلى أبناء كنيسته المحليّة. وبالتالي نفهم أن هذا الإختلاف في رمزية مريم بين الأرض الجديدة تارة وفردوس عدن طوراً آخر هو إختلاف مرتبط بالصورة الكريستولوجية التي أراد أفرام أيصال حقيقتها. في النص الذي أعلن فيه أفرام القديسة مريم أرضاً جديدة كان بمثابة نقطة إنطلاق ليعلن، بطريقة غير مباشرة، حقيقة المسيح كآدم الجديد الذي سيجدد الخلق ويعيد الإنسان إلى سابق عهده في علاقته بالله، آدم الجديد الذي سيطيع حتى موت الصليب ليتتم مشيئة الله ويتمم ما كان على آدم الأول أن يقوم به. كما خرج آدم الأول من الأرض خارج الفردوس، ثم وضعه الله في الفردوس ليعطيه إمكانية المشاركة في الحياة الإلهية، هكذا يخرخ ألمسيح من مريم الأرض الجديدة، المشابهة بحالتها للأرض الأولى التي لم تكن بعد قد لعنت من جرّاء خطيئة آدم. ومن ناحية أخرى نرى أن تشبيه مريم بالفردوس يكون غالباً في إطار كلام القديس أفرام عن المسيح ليس كآدم الجديد إنما كشجرة الحياة الجديدة (بشكل حقيقي وليس رمزي) ليعطي ثمرة الحياة لآدم بطاعته للآب لا بالمعصية كما فعل آدم الأول: «إن العلي، إذ عرف أن آدم يريد أن يكون إلهاً، أرسل له ابنه كيما يكون قادراً على تحقيق هذه الرغبة»، وبهذا المعني تضحي مريم العذراء جنة عدن الجديدة، (أيضاً بشكل حقيقي لا رمزي) في داخلها ينبت المسيح شجرة الحياة.
نستنج إذا أن هذا الإختلاف في دور مريم في عمل الخلاص، بين ارض جديدة وجنة عدن جديدة، لا ينتج عن تناقض في فكر أفرام، فكل صورة قد وضعت في إطارها، وأخذت بعداً خلاصياً، وكلتاهما تؤديان بنا إلى النتيجة نفسها، فنجد أن مريم لم تخضع للخطيئة في كلتي الحالتين وتضحي بالتالي وسيلة تجديد الخليقة بواسطة المسيح إبنها.
فما هو هذا الفردوس الذي رأى فيه القديس أفرام صورة للعذراء مريم؟ أهو مكان ام حالة روحية نهوية، مكان لقاء حميم بين الله والإنسان؟
في البدء، كم أسلفنا، خلق آدم وحوّاء من الأرض المباركة، لأن الخطيئة لم تكن أرتكبت بعد، ورغم قداسة هذه الأرض لم تكن هي نفسها الفردوس، وبهذا الصدد يقول القديس: «من الأرض كوّنت آدم، وخلقت أمك... لم تنبثق من نفسك إنما ولدت من الآب، وإرتضيت أن أن تسكن في مريم». وبعد خلقه، أُسكن آدم الفردوس، وكما يقول الكتاب المقدس كان الله حاضراً يتمشى في أرجاء الجنة. الفردوس، بحسب افرام، معد للإنسان فقط، وما كان بمقدور أي كائن آخر أن يدخل اليه ولا حتى الحية: «لم يكن بإستطاعة الحية الدخول إلى الفردوس، لأن لا الحيوانات ولا الطيور كان يحق لها الإقتراب من سوره الخارجي. خرج آدم إليها، علمت بحيلة قصة الفردوس بإستفسارها من حوّاء عمّا هو وأين هو موجود». إذا فالأرجح أن الفردوس هو حالة نهوية معدة للإنسان فقط، للقاء الإله والإتحاد بالحب الإلهي.
شجرة الحياة، الشمس التي تنير الفردوس هي المسيح الذي يعطي الأنسان القوت الإلهي والوسيلة للتاله، وهي في وسط الجنة تنيرها. شجرة معرفة الخير والشر، الشجرة الثانية في جنة عدن، يشبهها أفرام بالحجاب الذي كان يغطي قدس الأقداس في هيكل أورشليم، فيقول: «وأن شجرة المعرفة التي توشحت الوصية قد صارت حجاب باب الهيكل المقدس، قد عرف (الشرير) ان تلك الثمرة هي مفتاح العدل، إذ يفتح اعين الجسورين على العدالة». نستنتج إذاً أن مفهوم شجرة معرفة الخير والشر يتخطى المعنى الحرفي للتسمية ليأخذ بعداً أعمق يرتبط بالحرية الإنسانية ودورها في مسلسل الخلاص. كون شجرة معرفة الخير والشر موضوعة كحجاب للهيكل لا يعني أنها موجودة لتردع الإنسان من نيل الألوهة من شجرة الحياة، إنما لتذكره بدور الله الأساسي في التاله الإنساني. إن تشبيه هذه الشجرة بحجاب الهيكل يجعلنا نتأكد أكثر فأكثر من هذه الفرضية، فحجاب الهيكل لا يبغي فصا الشعب عن قدس الأقداس إلا حماية له، فبالنسبة للشعب القديم، ما أن أحد يعاين وجه الله ويحيا، وشجرة الخير والشر تقوم بالعمل عينه، «لتفتح أعين الجسوري على العدالة» لئلا يموتوا إذا أكلوا من شجرة الحياة دون إستعداد.
هيكلية الفردوس بالنسبة للقديس أفرام:
إذا كما أسلفنا، لا شك أن الفردوس هو حقيقة، على الأرجح حالة كيانية معدة للإنسان فقط كمان لقاء حب بين الله والإنسان. جعلت قبل خلق الإنسان، في اليوم الثالث بحسب أفرام: «وجعل الله جنة عدن من القديم ووضع هناك آدماً الذي جبله. وقد قال (موسى) من القديم قاصداً أرض الفردوس لأنه قد جعلها في اليوم الثالث...وشجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر في وسطه».
والفردوس يتقسم إلى ثلاثة أماكن: السياج الخارجي، مكان أفراح وجمال، وضع فيه آدم بعد أن خطيء، وحيث ينتظر المؤمنون القيامة الأخيرة وحيث هم الذين خطئوا دون معرفة.
بعدها يأتي وسط الفردوس حيث شجرة معرفة الخيروالشر تفصل كالستار الإنسان عن شجرة الحياة. وفي القسم الأعلى من الفردوس نجد شجرة الحياة، شمس الفردوس ومصدر الحياة.
هذا الفردوس لم تطله إذاً لعنة الله لآدم وحوّاء، وليس هو نفسه الأرض أم الأشواك، السجن ومكان الأجزان، بل لا مكان فيها للموت: «أراد آدم الملوّث الدخول إلى قدس الأقداس (شجرة الحياة) الذي يحب الشبيهين به (الأنقياء)، وإذ تجاسر واراد أن يدخل إلى الخباء الداخلي، لم يدعه يطأ (ولا حتى السور) الخارجي، رأى بحرُ الحياة جثةفي حضنه ، فلم يبقها فيه بل طرحها خارجاً». قد حافظ فردوس عدن على نقاوته الأولى ولم يتأثر مطلقاً بخطيئة آدم وحوّاء.
وهكذا ننتقل إلى معالجة النص الذي أوردناه سالفاً مقتطف من تفسير الدياتسّرون: «إنما، كما أن الأجساد نفسها قد خطئت وماتت، وأن الأرض، أمها، قد لُعنت، هكذا أيضاً بفضل هذا الجسد (المسيح الإنسان) الذي هو نفسه الكنيسة التي لا يطالها الفساد، كانت أرضه مباركة منذ القديم. إن الأرض هو جسد مريم، هذا الهيكل الذي في داخله قد وضع الزرع». . مرة جديدة يطالعنا نص أفرامي غني بالمقارنات:
بشكل مباشر:
آدم-المسيح
الأرض-مريم
جسد آدم الفاسد بالخطيئة- جسد المسيح الذي هو نفسه الكنيسة التي لا تفسد بالخطيئة.
وبشكل غير مباشر:
كلمة الحية في إذن حواء- كلمة الملاك في أذن مريم.
حواء: ملعونة أنت- مريم: مباركة أنت.
ومقارنة بين نصي شرح الدياتسّرون 4،15 وتفسير سفرالتكوين 2،5، نجد القديس أفرام يستعمل كلمة مشتركة ملفتة للأنظار ليتكلم عن مريم في النص الأول وعن الفردوس في الثاني، وهي «منذ القديم» (من قديم في نص التكوين ومن لقودمين في نص الدياتسرون). وقد أوردنا آنفاً شرح أفرام لكلمة منذ القديم المرتبطة بالفردوس، موضحاً أنها قد خلقت في اليوم الثالث، أي قبل خلق الإنسان، الجذر نفسه يستعمله أفرام متكلماً عن العذراء مريم، إنما بصيغة الجمع، إما للتقوية المعنى أو كنوع أدبي. في أمكنة إخرى يشبه أفرام مريم بالفردوس:
-المسيح هو شجرة الحياة التي نبتت في غرسها الله في وسط الفردوس (تكوين2،9) ومريم هي الأرض التي فيها غرس المسيح، وبالتالي فهي الفردوس (دياتسرون4:15). وإن كان الفردوس كما قلنا سابقاً هو حالة كيانية، جعل فقط للإنسان ليعاين وجه الله بعلاقة حب وصداقة، فمريم قد كوّنت في فكر الله قبل الخطيئة لتكون هذا الفردوس الذي فيه سينمو المسيح، شجرة الحياة الحقيقية، ليكون به التأله مستطاعاً لسائر الجنس البشري. ولهذا بقيت مريم مصانة من كل وصمة خطيئة، بدءاً بصونها، بفضل إبنها وليس باستحقاق شخصي، من خطيئة آدم وحواء التي أورثاها لكل الطبع البشري. لهذا يستعمل القدس أفرام عبارة «منذ القدم» التي استعملها بشكلها المفرد في شرح حالة الفردوس في سفر التكوين.
وعلى ضوء ما تقدم، نكمل مع القديس أفرام التحليل المنطقي: إن كان المسيح هو شجرة الحياة التي نبتت في الفردوس الذي، كما أثبتنا، لم تطله لعنة الخطيئة ولا نتائجها، والفردوس هو نفسه جسد مريم الذي في وسطه، كما في جنة عدن قد نبت المسيح شجرة الحياة، ومريم هي الفردوس، فمن البديهي والمنطقي إذا أن أفرام يقول أن مريم لم يطلها أي أثر من خطيئة ذويها، بل ظلت معصومة من أية وصمة كجنة عدن التي حرسها ملاك ذو رمح. طبعاً لم يقل أفرام أن العذراء مريم هي معصومة من الخطيئة الأصلية، لأن هذا التعبير (إنما ليس فكرة الخطيئة الأصلية كما يقول هامرسبرغر)، لم يكن موجوداً على أيام أفرام، إنما فضل قديسنا أنه قد صاع بالمرادفات المتوافرة لديه تعليماً عميقاً وصحيحاً حول عصمة مريم من أي دنس خطيئة، شخضية أم متوارثة. ولذلك يقول القديس أفرام في أناشيد مريم: «شجرة الحياة المحتجبة في الفردوس في مريم قد نبتت وفيها أينعت، وفي ظلالها جلست الخليقة، وهي نشرت ثمارها على الأقربين والأبعدين».
وفي قراءته التيبولوجية للكتاب المقدس لم يحصر القديس أفرام الفردوس بحالة ما قبل الخطيئة، فالفردوس قد جُعل للإنسان، مكان وحالة لقاء بالله لإكتمال الجوهر الإنساني، المخلوق على صورة الله ومثاله، بالتأله. ولو أن الفردوس بقي مغلقاً إلى الأبد بسبب خطيئة الإنسان لأضحى الله غير صادق في وعده وهو القائل: «وأنا قلت أنكم آلهة». لذلك يقولا القديس أفرام: «ولئلا يقال أنه (أي الله) لم يكن يعرف أن آدم سيخطأ، لم يباركه في داخل تلك الأرض (أي الفردوس)، وقد باركه قبيل أن يخطأ لئلا تعود إلى المبارِك بركاته، فيعود العالم إلى العدم بسبب خطيئة ذاك الذي من أجله خُلق كل شيء». إذاً فبسبب البركة، الي تعني الوعد بالميراث الإلهي، لم يعد الوجود إلى العدم بسبب الخطيئة لأن الله صادق في وعده ولا رجوع عن كلمته. لذلك إرتدى هذا الفردوس، بسبب الرحمة الإلهية، شكلين آخرين: مريم العذراء، والكنيسة، بهما أضحى ممكناً العودة إلى بيت الآب السماوي.
بهذا المعنى نفهم بشكل أوضح الشرح الذي أوردناه في تفسير الدياتسرون . الكنيسة إذاً هي جسد المسيح الحقيقي، وبهذا تضحي شجرة الحياة التي تقود الإنسان، بالعماد والإفخارستيا، نحو التأله، وبهذا تضحي مريم ام الكنيسة بما انها أم المسيح بالجسد، والكنيسة هي الجسد الحق.
إنما الكنيسة هي أيضاً خازنة الإفخارستيا، ثمرة شجرة الحياة، وبهذا تضحي الكنيسة أيضاً فردوساً جديداً يجعل لقاء الإنسان بالله مستطاعاً. وبهذا تضحي الكنيسة، كمريم، أماً للمسيح، ولهذا تضحي الكنيسة ومريم بالنسبة للقديس أفرام واحداً، لذلك يقول: «لقد أستبدل يشوعَ ابن نون بيوحنا الذي كان بتولاً وأوكل اليه مريم، كنيسته، كما اوكل موسىقطيعه إلى يشوع (تث.31،7-8)»، وفي اناشيده عن الإيمان يقول أفرام: «لقد تحولت إلى (اللؤلؤة) إلى مريم التي كنت رايت هناك ثمرتها المباركة، لقد أصبحت الكبنيسة والإبن في داخلها، صورة عن الغمامة التي تحملها، ورمزاً للسماوات حيث أشرق بهائها الساطع».
الفردوس احتضن شجرة الحياة لتعطي ثمرتها للإنسان فيتأله؛ مريم إحتوت المسيح المتجسد وصارت أماً له لتعطيه للعالم فيحيا، فيضع أفرام هذه الكلمات على فم العذراء: «لست أغار، بنيّ، إن كنت معي ومع الجميع، كن إلهاً مع الذي يعترف بك، وكن سيداً للذي يخدمك، وكن اخاً لمن يحبك، كيما تحيي الجميع»، فيضحي المسيح أخاً للمؤمنين، وبهذه الأخوّة يصبح الإنسان إبن الله بالتبني؛ والكنيسة خزنت المسيح-الإفخارستيا فيها وصارت له أماً لتوزعه، على مثال مريم، للعالم فينال الخلاص. الفردوس، مريم والكنيسة كلها دون خطيئة، لأنها كلها حضنت المسيح واحتوته، إنما الفردوس قد إحتوى الشجرة، رمز المسيح، والكنيسة الأسرار ليتتابع بها حضور المسيح الحقيقي في العالم، الفردوس الأرضي إحتوى الشجرة قبل الخطيئة، والكنيسة تحتوي الإفخارستيا حتى منتهى الأزمنة، كلاهما رأى أفرام فيهما مريم، وكلاهما يجدان بمريم صورتهما الحقة.
غياب شخص مريم في أناشيد الفردوس وفي أناشيد نصيبين 35،12:
إن بحثنا حول سر مريم في فكر القديس أفرام السرياني لا ينحصر فقط في ما تكلم به وشرحه بطريقة واضحة ومباشرة، إنما حتى غياب شخص مريم في إماكن معيّنة من أعماله يحمل رسالة، غير مباشرة ربما، إنما معبرة جداً لمن يقرأ نصه بتمعن. وعلى سبيل الدلالة لا الحصر سأحصر دراستي هذه بنصين أفراميين، لهما من الأهمية بمكان، عنيت بهما مجموعة أناشيده حول الفردوس، والنشيد الخامس والثلاثين من أناشيد نصيبين.
أناشيد الفردوس:
قد نتوهم للوهلة الأولى أن في هذه المجموعة من الأشعار التي تبحث في حقيقة الفردوس، وفي حالة القديسين بعد هذه الحياة، سيتررد إسم مريم العذراء، بشكل مباشر ومتواتر، معطياً لمريم المكان المحوري في هذا المكان. إنما يطالعنا، بشكل يستدعي الدهشة، أن الشاعر المريمي، وفارس العذراء كما هو معروف، لم يذكر العذراء مريم في أناشيد الفردوس، وعددها خمسة عشر نشيداً، سوى مرة واحدة في الننشيد الرابع. فلماذا هذا الصمت حول شخص مريم علماً أنه كان يمكنها أن تكوت المثال الأول للمنتصرين ساكني الفردوس، وتأخذ مكاناً أساسياً كما فعلت في أعمال القديس افرام الأخرى؟
في النشيد الرابع يطالعنا حضور مريم العذراء لا كشخص إنما كدور في عمل الفداء. هي لا ترد بين المنتصرين ساكني الفردوس، كأبناء النور، وسمعان بطرس وسائر الرسل وللأنبياء، أو الأبرار، للأولاد، والأمهات، للمتعبين وغيرهم. وبالمقابل نجد ان ذكراً واحداً لمريم، في النشيد الرابع حيث يقول القديس أفرام: «آدم بعريه كان جميلاً، وامراته كانت ماهرة، وقد حاكت له ثوب أدناس؛ حين رأته الجنة ووجدته مملوءاً عاراً طردته من حضنها. إنما بمريم قد حيك له ثوباً جديداً...حين لبس هذا الثوب وبحسب الوعد (لو23،43) قد إزدهى اللص، والحديقة حين رأت آدم قد صار يشبهها (طاهراً) عانقته». ذكر كريم الوحيد هذا لا يرتبط بمريم كشخص فقط، كما هي حال الأنبياء والأبرار والصديقين ساكني الفردوس، إنما يرتبط بها كدور ومشاركة في مخطط الفداء وعودة آدم إلى الميراث الإلهي. هذا الظهور الوحيد وفائق الطبيعة لمريم يؤكد لنا ان غيابها كشخص بين جماعة الفردوس لم يكن سهواً، إنما هو غياب مقصود ومنطقي. نعرف أن أفرام يرى في مريم، في شخصها وفي دورها، تتميم لحالة الفردوس لا من ناحية رمزية وتشبيهية، إنما كواقع شخصي وتاريخي تمّم حقيقة رجعوية ونهوية. مريم ليست رمزاً للفردوس، إنما هي الفردوس الجديد الذي في وسطه زرع المسيح، شجرة الحياة الجديدة التي نشرت ثمرها على الأقربين والأبعدين، كما ان المسيح ليس شجرة الحياة بطريقة رمزية أو تشبيهية، إنما بشكل حقيقي، شخصي وكياني أكمل في ملء الزمن حقيقة شجرة الحياة بتجسده في حشا مريم، الفردوس الجديد.
حقيقة مريم هذه كفردوس عدن تفسر غيابها الشخصي ضمن جماعة الكنيسة المنتصرة، فهي رغم كونها قد نالت خلاصها وتبريرها مع سائر بني آدم، بواسطة إبنها، إنما بطريقة مميزة ومختلفة عن سائر بني جنسها، بطريقة لا يوضحها القديس افرام لأن سرها لا أحد يدركه، إنما هي أيضاً أمه، وأمومتها للمسيح لا تنحصر في البعد الزمني، أي في السنوات الثلاثين التي عاشها المسيح بالجسد على الأرض، إنما هي أمه للأبد، وأم جسده الذي هو الكنيسة: ««إنما، كما أن الأجساد نفسها قد خطئت وماتت، وأن الأرض، أمها، قد لُعنت، هكذا أيضاً بفضل هذا الجسد (المسيح الإنسان) الذي هو نفسه الكنيسة التي لا يطالها الفساد، كانت أرضه مباركة منذ البدء. إن الأرض هو جسد مريم، هذا الهيكل الذي في داخله قد وضع الزرع»، وبالتالي بضحي مريم «الأرض المباركة منذ البدء»، دون وصمة، ام الله الكلمة حقاً وأم «جسده الذي هو الكنيسة». ومن ناحية اخرى مريم هي أيضاً صورة الكنيسة ومثالها: «لقد أستبدل يشوعَ ابن نون بيوحنا الذي كان بتولاً وأوكل اليه مريم، كنيسته، كما اوكل موسىقطيعه إلى يشوع (تث.31،7-8)»، مريم الطاهرة إذا تضحي مثال الكنيسة التي لا يطالها الفساد. إنما في أناشيد الفردوس يقول أفرام أن الفردوس هو امتداد لحالة الكنيسة، أي أن الفردوس هو الكنيسة المنتصرة، وبالتالي نستنتج أن الكنيسة وفردوس عدن هما، إن ليس حقيقة واحدة، فهما يجدان مثالهما الشخصي والزماني في العذراء مريم، وبالتالي فالحقائق الثلاث يتمتعن بالحالة نفسها: العصمة من الخطيئة، ولا سيّما خطيئة آدم وحواء. الكنيسة كجسد المسيح لم يطلها فساد الخطيئة رغم خطيئة أبنائها: «كيما يُعلم ان كنيسته، رغم وجود المعلمين الكذبة في داخلها، هي جسده الحق»، إنما هي تطرد منها الأشرار «والأشرار هم أولئك الذين طردتهم الكنيسة من حضنها بسبب تركهم الإيمان»، ولنلاحظ هنا الشبه بين ما فعلته الكنيسة هنا وما قام به الفردوس الذي «حين رأته (الجنة) ووجدته مملوءاً عاراً طردته من حضنها»، وبالتالي فكلاهما لم تمسهما خطيئة آدم، ولا نتكلم هنا بواقع زمني بل بحقيقة كيانية، فطهارتهما كانت هكذا منذ البدء، أي منذ خلقا لم تلحقهما خطيئة، وبالمعنى نفسه نفهم حقيقة براءة مريم من خطيئة حواء، ليس فقط ببعد زمني، أي أنها قد خضعت للخطيئة ثم تبررت، بل هي كالكنيسة والفردوس، لم تطلها الخطيئة البتة، وطهارتها هي حقيقة كيانية، حالة كوّنت بها العذراء مريم منذ البدء: «بفضل هذا الجسد (المسيح الإنسان) الذي هو نفسه الكنيسة التي لا يطالها الفساد، كانت أرضه مباركة منذ البدء. إن الأرض هو جسد مريم، هذا الهيكل الذي في داخله قد وضع الزرع»، لذلك يقول أفرام مخاطباً العذراء مريم: «طوبى لكِ أيتها القصر، قصر الملك، الذي بابه أكبر من المائتين (بمعنى ممنوع)، ألملك الممجد قد حلَّ داخلك، ليكون حبّه سوراً لجمالك، وحشاك قد هرب من فساد اللعنة. بواسطة الحية حلت الآم النساء، و(بك) يخزى ذاك القذر إذ يرى أن فساده غير موجود في حشاك».
أ. بيار نجم ر.م.م |