أقسم الله ولن يندم أنّك أنت كاهن الى الأبد...

موت المسيح وقيامته: ميلادنا الى مجد الثالوث

 

 

 

يشكّل حدث قيامة الرّب من بين الأموات الحدث المحوريّ في إيماننا المسيحيّ: هي الحقيقة التي ختمت مسيرة الرّب يسوع على الأرض، وأعطت الحياة للواقع الكنسيّ، كاستمراريّة لحقيقة موت يسوع وقيامته في تاريخنا الإنسانيّ.
موت المسيح قد شكّل سقوط حبّة القمح في الأرض، فأعطت ثماراً كثيراً (يو ١٢، ٢٤)، وبقيامته خطب الرّب الكنيسة له لعلاقة حبّ لن تنتهي. لقد أقام الله ابنه فحقّق قول المزمور الثاني: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك (أع ١٣، ٣٣- ٤١)

موت المسيح وقيامته: ولادة جديدة الى البنوّة الإلهيّة
فقام بولس وأشار بيده وقال: "يا بني إسرائيل، ويا أيها الذين يتقون الله، اسمعوا: إله هذا الشعب، شعب إسرائيل، (علاقة شخصانيّة، بين إله ذي إسم وشعب ذي هويّة) اختار آباءنا (سفر التكوين) ورفع قدر هذا الشعب طوال غربته في أرض مصر (سفر التكوين: يوسف الصدّيق). ثم أخرجهم منها بقوة ذراعه (الضربات) واحتمل ما كان منهم نحو أربعين سنة في البرية. (سفر الخروج، معصية الشعب وخيانته). وأباد سبع أمم في أرض كنعان وأورثهم أرضها (سفر القضاة)، واستغرق ذلك نحو أربعمئة وخمسين سنة. ثم جعل لهم قضاة حتى عهد النبـي صموئيل (فترة الإنتقال من القضاة الى الملوك). ثم طلبوا من الله ملكا، فأعطاهم شاول بن قيس، من عشيرة بنيامين، طوال أربعين سنة. ثم عزله وأقام داود ملكا عليهم وشهد له بقوله: وجدت داود بن يسى رجلا يرتضيه قلبي، وسيعمل كل ما أريد. وأخرج الله من نسل داود حسب الوعد يسوع مخلصا لشعب إسرائيل.(سفر الملوك الى داود جدّ المسيح) وقبل مجيء يسوع، دعا يوحنا جميع شعب إسرائيل إلى معمودية التوبة. وقال وهو ينهي سعيه: أتظنون أني أنا هو؟ لا! فذاك يجيء بعدي، وما أنا أهل لأن أحل رباط حذائه. (يوحنا المعدان). يا إخوتي، يا أبناء إبراهيم، ويا أيها الحاضرون معكم من الذين يتقون الله، إلينا أرسل الله كلمة الخلاص. فلا أهل أورشليم ورؤساؤهم عرفوا المسيح، ولا هم فهموا ما يتلى من أقوال الأنبياء في كل سبت، فتمموها بالحكم عليه. ومع أنهم ما وجدوا جرما يستوجب به الموت، طلبوا من بـيلاطس أن يقتله. وبعدما تمموا كل ما كتبه الأنبـياء في شأنه، أنزلوه عن الصليب ووضعوه في القبر. ولكن الله أقامه من بين الأموات، فظهر أياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم. وهم الآن شهود له عند الشعب. ونحن نبشركم بأن ما وعد الله به آباءنا تمّ لنا، نحن أبناءهم، حين أقام يسوع من بين الأموات، كما جاء في المزمور الثاني: أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك. (قيامة المسيح هي تتميم وعود الله)(القيامة هي حدث بنوّة).

في كلامنا عن الولادة هنا، نتكلّم عن الولادة من الناحية اللاّهوتيّة، لا عن الولادة التي تمّت في الزمن في بيت لحم، حين أخذ الله-الكلمة جسداً من مريم العذراء. حين نتكلّم عن الله الآب وعن الله الإبن، نتكلّم عن هوّية كلّ أقنوم في حضن الثالوث الأقدس: الله الآب هوّيته الأبوّة، وبالتالي فهو يلد باستمرار، وهوّية الإين هي البنوّة، وبالتالي فهو يقبل حالة البنوّة في كلّ لحظة. الى جانب حالة الولادة المستمرّة هذه، كان هناك ولادات للكلمة قبل الزمن وفي الزّمن نفسه:
ولادة الإبن الأولى هي ولادته من الآب قبل كلّ الدهور، وخروجه من الآب هو ليس حدث زمنيّ، فالآب هو المصدر للإبن ولكنّه ليس أقدم منه ولا أسمّى منه في رتبة الألوهة: ما فعل الولادة سوى هويّة الآب ووظيفته في حضن الثالوت، وما فعل قبول الولادة سوى هوّية الإبن ووظيفته ضمن الثالوث فلا تجعل منه أدنى مرتبة من الناحية الإلهيّة، تماماً كما أن هويّة الرّوح في حضن الثالوث هي أن ينبثق من الآب بواسطة الإبن دون أن يجعل منه هذا أدنّى مرتبة من الآب والإبن.
أمّا الولادة الثانيّة فتمّت في الزّمن، في ما يدعوه بولس "ملء الزمن"، حين أرسل الآب ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً بحسب الجسد. إن ولادة الإبن لم تكن عملاً قام به الإبن وحده، بل، كما يشدّد بولس الرسول، "فلما تم الزمان، أرسل الله ابنه مولودا لامرأة، وعاش في حكم الشريعة،ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة، حتى نصير نحن أبناء الله." (غل ٤:٤-٥). إن إرسال الإبن الى العالم في ولادة التجسّد هذه، هي عمل الآب أيضاً، فالإبن لا يقوم بأمر من ذاته، بل قد أطاع الآب في كلّ شئ وصولاً الى التجسّد. وهذا التجسّد، أو إخلاء الذات وأخذ صورة العبد، هدفها الأولّ هو الموت والقيامة، إي تتميم عمل الفداء، لذلك يكمل بولس قائلاً: "ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة، حتى نصير نحن أبناء الله." (غل ٤، ٥). وهو عمل تمّمه الآب من خلال الرّوح: لقد تجسّد الله الكلمة بقوّة الرّوح القدس، روح الآب الّذي استقرّ فوق مريم.
أمّا الولادة الثالثة، فهي ولادة الإبن المتألّم، المصلوب، الميت والمدفون. المسيح الّذي صلبه اليهود، قد أقامه الآب في اليوم الثالث. أن قيامة الإبن هي أيضاً عمل الآب، عمل تمّمه من جديد بواسطة الرّوح القدس الّذي حلّ في هيكله الأبديّ، جسد المسيح القائم من بين الأموات.
هذه الولادة الثالثة، أو ما ندعوه في لاهوتنا بالسّر الفصحيّ، هي قمّة عمل البنوّة الإلهيّة. لقد شدّد بولس الرسول على حقيقة الموت والقيامة كحدث ولادة للمسيح، فيقول في مطلع رسالته الى الرّومانييّن:
"في شأن ابنه الذي في الجسد جاء من نسل داود، وفي الروح القدس ثبت أنه ابن الله في القدرة بقيامته من بين الأموات، ربنا يسوع المسيح" (روم ١، ٣-٤). في هاتين الآيتين تشديد على البعدين الّذين أخذهما الرّب يسوع بطاعته للآب:
- بحسب الجسد: وُلد بالجسد حقّاً، واتّخذ طبيعتنا البشريّة متجسّداً من نسل داود.
- بالرّوح القدس: قام من بين الأموات، "فثبت أنّه ابن الله".
كلتا الولادتين كانتا من تصميم الله الآب، أتّمها الإبن بطاعته، بقوّة الرّوح القدس الّذي حلّ على مريم في الولادة الأولى، وحلّ في جسد الإبن بعد أن كان الإبن قد أسلمه الى الآب على الصليب، فقام من جديد حقّاً، ليصبح الديّان والسيّد، القائم والمنتصر، ولتثبث الى الأبد حقيقة كونه "ابن الله"، "له تجسد كلّ ركبه، وباسمه يعترف كلّ لسان، أنّه المسيح ابن الله".
بموته وقيامته، أعلن المسيح الكلمة ملء حقيقة هويّته التي حملها منذ البدء، أي منذ ولادته الأولى من قلب الآب: لقد اعتلن نهائيّاً كابن الآب المولود منه بالرّوح القدس (لو ١، ٣٥). لقد بلغت حقيقته الإنسانيّة تمامها في لحظة الولادة الإلهيّة التي أخرجته من الموت الى الحياة. حقيقة ميلاد المسيح من الموت الى الحياة ليست مثل ميلاده الأوّل من مريم العذراء. ميلاده الى الحياة هي حقيقة لا تتبدّل، بل تصبح حقيقة أبديّة.
بإقامته ليسوع ابنه من بين الأموات، يحقّق الله ابوّته بملئها، ويظهرها للعالم أجمع، فالعالم صار قادراً على معاينة مجد الآب من خلال مجد الإبن القائم، لأن "مع أنه صلب بضعفه، فهو الآن حي بقدرة الله." (٢قور ١٣،٤)، فلا يمكننا أن نعاين، أو أن نعبد المسيح القائم، دون أن نترك عيناً على الآب الّذي حقّق مجد ابنه من خلال روحه القدّوس. إن قيامة المسيح هي عمل تمجيد ثالوثيّ، ظهر مجده المطلق من خلال قيامة الرّب يسوع، حدث تخطّى ببهاء مجده كل عمل خلق أو ابداع، وكلّ ولادة أخرى، فقيامة المسيح هي قمّة بهاء الله الآب وجلاله، وهي عظمة قوّة الرّوح القدس الخالق والمحيي.
إن المسيح قد صار بميلاده في بيت لحم يسوع الناصريّ ابن الإنسان، فإن حقيقته الإلهيّة، كابن لله المساوي له في الجوهر، الخالق والمحيي قد تجلّت لنا من خلال إقامة الله له في اليوم الثالث من بين الأموات. فالمسيح المولود من مريم هو قبل مريم، وهو "قبل ابراهيم كائن" (يو ٨، ٥٨)

موت المسيح، سرّ البنوّة الإلهيّة:
هو سرّ لم يقدر أي بشر على معاينته يوم الجمعة العظيم، لحظة موت المسيح: فمن رأى، رأى ما هو خارجيّ، رأى رجل ينازع، يتألّم، يموت ويوضع في القبر. وحده الله الآب رأى ما هو جوهريّ، وحده الآب رأي حقيقة ما يحصل. الآب رأى لأنّه لم يكن مجرّد شاهد، لقد كان مشاركاً في عمل الخلاص بعمقه، فهو الّذي "الله الذي ما بخل بابنه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعا" (روم ٨، ٣٢)، "حين أسلم إليكم بمشيئة الله المحتومة وعلمه السابق، صلبتموه وقتلتموه بأيدي الكافرين" (أع ٢، ٢٣): بمشيئة الله، بعلمه المسبق، عبارات تعكس لا علم الله فقط، بل مشاركته ايضاً، وتظهر أن للآب دور في موت المسيح الكلمة. "فالآب أحبّ العالم كثيراً، حتّى أنّه بذل ابنه ابنه الوحيد" (يو ٣، ١٦). لقد اسلم الآب الإبن ليُصلب ويموت، عبارة يستعملها العهد الجديد لشخصيّات أخرى اسلمت المسيح: يهوّذا اسلم يسوع: "يهوذا، ذاك الّذي أسلمه" (مر ١٠، ٤)؛ "عظماء الكهنة والكتبة أسلموه " (لو ٢٤، ٢٠)؛ بيلاطس أسلمه أيضاً (مت ٢٧، ٢٦). يسوع يعلم أن الآب قد أسلمه، لذلك يعلن للتلاميذ "هذا هو جسدّى الّذي يّبذل من أجلكم" (لو ٢٢، ١٩)، وكلمة يبذل هي الترجمة العربيّة لفعل يونانيّ يعني أسلم، وهو بصيغة المجهول، ما نسمّيه في لغة الكتاب المقدّس "بالمجهول الإلهيّ"، أي أن الله هو الفاعل الفعليّ لهذا الفعل، وبالتالي فالمعنى هو: "هذا هو جسدي الّذي يبذله الله الآب من أجلكم". ولكن البذل الّذّي يقوم به الآب يختلف بجوهره عن بذل يهوّذا ورؤساء اليهود والسلطة الرومانيّة القائمة، فأولئك يبذلون المسيح ليقتلوه ويتخلّصوا منه، بينما الآب يبذل ابنه ليلده في حدث القيامة من جديد ويعلن هويّته الى الأبد: يسوع المسيح الإبن، القائم والمنتصر.
هنا تكمن أهميّة موت المسيح: لكيما يولد الى بنوّة الله بقوّة الرّوح القدس، كان لا بدّ أن يموت "في جسد يشبه جسدنا الخاطئ، كفارة للخطيئة، ليحكم على الخطيئة في الجسد" (روم ٨، ٣)، الجسد الّذي به أخلى ذاته، وأخذ صورة العبد (فيل ٢،٦).
وبالتالي فموت المسيح لم يكن هدفاً بذاته، والآلام التي ذاقها لم تكن هي هدف التجسّد. فآلام المسيح وموته كانت الوسيلة التي عبر بها الرّب الى الموت، ليقيمه الآب بمجده وبقوّة الرّوح القدس، وبالتالي، فالعمل الخلاصي لا يكمن بموت المسيح فحسب، بل يشمل العمل الخلاصيّ الّذي بدأ بتجسّد الأبن، ليصل الى قيامته، ولادته الجديدة والنهائية يقوّة الرّوح، مروراً بآلامه وموته ودفنه.
كلّ هذا كان فعل خضوع، عمل بذل ذات: لقد أخلى المسيح ذاته في التجسّد وصولاً الى الموت فرفعه الآب بالقيامة، فأضحت القيامة ردّ الآب على حبّ الإبن الّذي خضع في كلّ شئ واهباً ذاته بين يدي أبيه.

بطاعته، رفع المسيح البشريّة نحو الآب:
بخضوعه للآب، وبقبوله ملء لاهوت الآب في أقنومه، وقوّة الرّوح القدس التى أقامته ورفعته وأعلنته مخلّص الكون الأوحد، جمع الإبن في شخصه وفي طاعته البشريّة بأسرها، جاعلاً منهم أبناء لله من خلال بنوّته وطاعته هو: "في ذلك اليوم تعلمون أنّكم فيّ" (يو ١٤، ٢٠)، عبارة قالها الرّب لتلاميذه ولكنّها تشمل البشريّة بأسرها، فالبشريّة كلّها مدعوّة الى الخلاص، بدخولها الباب الّذي افتتحه يسوع بموته وقيامته، كلّ إنسان يخلص "بالمسيح الّذي صار كفّارة" (١قور ١: ٣٠).

المسيح القائم يحمل الى الأبد سمات آلامه:
ولأنّه مولود الآب من القبر الى الحياة، يبقى المسيح بطريقة أزليّة مولوداً الى الحياة: لقد صارت بنوّته للآب الّذي أجازه من الموت الى الحياة، كما أجاز إسرائيل في فصح العبور، صارت السرّ الفصحيّ. نعم لقد قام المسيح، ولكنّه يبقى دوماً والى الأبد الميت الّذي أقامه الله الآب الى الحياة. لقد قام المسيح من بين الأموات، ولكنه يحمل في يديه، في جنبه وفي هوّيته، حقيقة أنّه كان ميتاً فأقامه الآب. لقد غادر المسيح القبر، ولكنه لم يترك سرّ الموت ولم ولن ينفصل عن هذه الحقيقة الفصحيّة. الى الأبد سوف يعاين كلّ بشرّ "ذاك الّذي طعنوه" (يو ١٩، ٣٧)، الى الأبد سوف يمكن لتوما أن يضع اصبعه مكان الجرح، لأنّ المسيح القائم يحمل الى الأبد سمات الصليب. هو الأسد المنتصر من سبط يهوذا ولكنّه أيضاً الحمل المذبوح حبّاً بنا (رؤ ٥: ٥-٦)، وسوف يبقى دوماً في حياة الكنيسة وسيلة التكفير والتطهير، لأنّنا ننال الغفران من دمه المراق حبّاً بنا، والمرشوش علينا يطهّر خطايانا (راجع عب ١٠، ١٩- ٢٠).
قيامة المسيح لا تنتزع منه صفه المائت حبّاً بنا، وبنّوة المسيح تملي عليه أن يبقى متّحداً والى الأبد بالسرّ الفصحيّ، فلا يمكن للمسيح أن يتخلّى عن هوّيته: هو ابن الله، المولود منه قبل الدهور، والمولود من امرأة في ملء الزمن، والّذي ولده الآب بمجده وأخرجه من القبر الى ميلاد القيامة، وبقوّة الرّوح القدس. فإن كانت هذه هوّيته المسيح الفادي، فلا يمكنه إذا إلاّ أن يبقى المائت حبّاً بنا، والقائم بمشيئة الآب وبقوّة الرّوح. إن القيامة لا تلغي حقيقة الخضوع حتّى الموت، موت الصليب، ولا تبطل مفاعيل الموت وآثاره. هو الميت، ولذلك نحن مدعوّون للموت معه في المعموديّة لنقوم معه الى واقع جديد، هي ليست مسرحيّة، هو حقيقة أنّنا نغوص معه في شبه موته، لنقوم معه، ولذلك فلا بدّ أن يبقى حامل علامات الآلام، القائم من بين الأموات، بقوة الأب والرّوح القدس.
إن كان موت المسيح هو فعل طاعة لإرادة الآب، فطاعة المسيح أبديّة لا عودة عنها ولا تراجع، وهي بذل ذات دائم، وقبول دائم: هو المسيح الّذي يبذل ذاته، وهو المسيح الّذي يقبل الله الآب، بذل وعطاء أبديّين في حضن الثالوث، برباط الرّوح القدس، يتجلّى في التاريخ من خلال بذل المسيح لذاته وتسليمه لله أبيه، وقبوله الدائم لإرادة أبيه ولحضوره في حياته وفي عمل الخلاص. وكما أن الرّوح القدس هو الرّباط الّذي يربط بالحبّ الأقنومين في داخل الثالوث، كذلك هو الرّوح القدس يتمّم فعل طاعة المسيح للآب من خلاله جعل المسيح هيكل الرّوح القدس، ويتمّم بقوّته عمل القيامة الّتي أرادها الآب كتعبير عن أمانته لوفاء الإبن ولخضوعة.

المسيح الخلاص والمخلّص:
كما أن المسيح هو الكاهن والذبيحة، هو الّذي جاء يكهن للآب ويكون الوسيط بيننا وبينه، لا بدم الخراف والحملان، بل بتقديم ذاته ذبيحة عنّا، كذلك فالمسيح هو الخلاص والمخلّص. هو الّذي جاء يعطينا الخلاص، لا يعطينا ما هو غريب عنه، بل يعطينا ذاته، جسده المكسور لنا، ودمه المُراق من أجلنا، وبالتالي فبيسوع المسيح الكاهن والذبيحة، يجتمع الخلاص والمخلّص. وبهذا المعنى يقول بولس الرسول: "وأما أنتم، فبفضله صرتم في المسيح يسوع الذي هو لنا من الله حكمة وبرا وقداسة وفداء" (١قور ١، ٣٠)، ولا يقول: "هو لنا من الله الحكيم والبارّ والقدّوس والفادي"، بل "هو الفداء"، لأنّ في شخص يسوع المسيح قد اجتمع الفادي والفداء، المخلّص والخلاص.
فالمسيح المُرسل من الآب قد سمح الآب بأن يضحي كفاّرة عن خطايانا: "فهم كلهم خطئوا وحرموا مجد الله. ولكن الله بررهم مجانا بنعمته بالمسيح يسوع الذي افتداهم والذي جعله الله كفارة في دمه لكل من يؤمن به" (روم ٣، ٢٣..) الله الآب يُظهر برّه ومحبّته من خلال عظمة الخلاص المجانيّ الّذي يهبه لنا، يعطينا المسيح الخلاص والمخلّص، لا باستحقاقنا، ولا لأعمال عملناها، بل بمجّانيّة مطلقة، بمجّانية قصوى، بمجّانيّة كلّفت الله الكثير، كلّفت الله ابنه الوحيد الذّي أرسله لنا مخلّصاً وكفّارة، أرسله يحمل في شخصه خلاصنا ويصالحنا مع الآب بدمه.
فأنتم عندما تعمدتم في المسيح دفنتم معه وقمتم معه أيضا، لأنكم آمنتم بقدرة الله الذي أقامه من بين الأموات. كنتم أمواتا بخطاياكم وبكونكم غير مختونين في الجسد، فأحياكم الله مع المسيح وصفح لنا عن جميع خطايانا. ومحا الصك الذي علينا للفرائض وكان في غير صالحنا، وأزاله مسمرا إياه على الصليب. (كول ٢، ١٢- ١٤).

موت يسوع صلاة الى الآب عنّا
وكما أخذ المسيح طبيعتنا الإنسانيّة بميلاده، فشابهنا في كلّ شيئ ما عدا الخطيئة، كذلك أخذ حالتنا الإنسانيّة لحظة ألمها، لحظة خوفها من مجهول ينتظرها، لحظة مرضها، في ساعة موتها، في بكائها ودموعها، في وحدتها وحزنها، لحظة يتخلّى الجميع عنّا، وساعة نظنّ أنّ الله الآب نفسه قد تركنا وحدنا. يقول القدّيس بولس:
"وهو الذي في أيام حياته البشرية رفع الصلوات والتضرعات بصراخ شديد ودموع إلى الله القادر أن يخلصه من الموت، فاستجاب له لتقواه. وتعلم الطاعة، وهو الابن، بما عاناه من الألم. ولما بلغ الكمال صار مصدر خلاص أبدي لجميع الذين يطيعونه. (عب ٥، ٧-٩).
لقد استجاب الله له لتقواه، لخضوعه وطاعته. لقد استجاب الله له لأن الإستجابة هي نتيجة الثقة والتسليم المطلق. لقد استجاب الله للمسيح المتألّم. ولكن كيف استجاب؟ متى استجاب؟ فالمسيح قد صلّى في بستان الزيتون، وعرق دماً، وبقي وحيداً، حتّى أقرب المقرّبين تركوه وحده، فكيف استجابه الله؟ يخبر الإنجيليّ أن ملاك قد جاء يعزّيه: هي إشارة غير مباشرة الى ألم الآب نتيجة ألم الإبن. كان على الإبن أن يتألّم، لأن حبّ الله للبشريّة يتطلّب البذل المطلق، فعلى قدر الحبّ تكون التضحية. ولكن أمام صلاة الإبن، أمام صلاة إبن ساقط تحت ثقل معاصي البشريّة من آدم حتى آخر إنسان، وهو البريء لم يقترف خطيئة، أمام صلاة أبن شعر أن الكون بأسره قد تخلّى عنه، لم يقدر الآب أن يبقى وحيداً، فالحبّ يتطلّب إعطاء جواب على تساؤلات الإبن. الحب تطلّب لمسة أبويّة تعزّى الإبن ولو قليلاً. الحبّ تطلّب أن يكون الآب الى جانب الإبن، فأُرسل الملاك، علامة حسيّة لحضور الآب ساعة آلام الوحيد.

يسوع الذبيحة
ونحن واثقون، أيها الإخوة، بأن لنا طريقا إلى قدس الأقداس بدم يسوع، طريقا جديدا حيا فتحه لنا في الحجاب، أي في جسده. (عب ١٠، ١٩- ٢٠). تعكس هذه الآية التقليد اليهوديّ القديم، حين كان رئيس الكهنة يدخل مرّة في السنة الى قدس الأقداس، عبر الحجاب الّذي يفصل قدس الأقداس عن الشعب، حاملاً إناء دم الذبيحة التي قدّمها. لقد أتمّ يسوع هذا العمل مرّة واحدة تطال التاريخ بأسره، فلم يعد رشّ دم الذبائح هو الّذي يطهرّ ويحرّر ويبرّر، بل هو دم الإبن المراق على الصليب. لقد صار جسده هو حجاب الهيكل، فكما كان الكاهن يدخل الى قدس الأقداس من خلال الحجاب، دخل المسيح إنسانيّتنا من خلال الجسد الّذي أخذه، إنسانيّتنا، ومن خلال هذه الإنسانيّة، صار قادراً على إتمام التبرير بدمه هو.

يسوع الى جانب الخطأة
لقد كانت رغبة الله الآب هي في إنقاذنا من خطيئتنا وإعطائنا الحياة والصداقة الإلهيّة من جديد، وما إرسال ابنه ليتجسّد ويتألّم ويموت إلاّ إتمام لهذه الإرادة القدّوسة. لقد كان على الإبن أن يصبح واحداً منّا ليعطينا الخلاص، فشابهنا في كلّ شيئ ما عدا الخطيئة، وقف الى جانبنا، لم يخشى من معانقة حالتنا البشريّة وضمّها اليه، أحبّنا كما نحن، وقف الى جانبنا وقدّم لنا الخلاص. وهكذا، بدخوله عالمنا وواقعنا المظلم، نجّانا من ظلام خطيئتنا وأعطانا واقعاً جديداً، نقلنا الى حالة الملكوت، أي الى حالة الصداقة مع الله ومع الكلمة ابن الله. وبهذا المعنى يقول بولس:"فهو الذي نجانا من سلطان الظلام ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب، فكان لنا فيه الفداء، أي غفران الخطايا. (كول ١، ١٣- ١٤).
الفداء هو إذا غفران الخطايا، وغفران الخطايا نلناه حين صرنا مع الإبن الحبيب في الملكوت. ولكننا عملياً لسنا في الملكوت، إذ لا نزال في عالمنا هذا، في واقعنا اليوميّ، يصعب علينا تغييره، ويصعب علينا معاينة هذا الخلاص الّذي أتمّه يسوع. لقد غفر الله لنا الخطيئة فتبرّرنا، لا باستحقاقنا، ولا بسبب أعمال عملناها، بل بطريقة مجاّنيّة، وبرحمة الله غير الموصوفة.
هو يسوع الّذي لم يقترف خطيئة، وهو القائل "فمن منكم يقدر أن يثبت علي خطيئة؟(يو ٨، ٤٦)، هو البار قبل أن يدخل في علاقة مع المختلف، لا بل في صداقة مع من هو غير مؤمن، مع من هو غير أكيد من إيمانه، مع من هو خاضع لسلطان الخطيئة، دخل عالمنا وواقعنا، قبل حقيقتنا، جاء يعطينا التبرير.
لقد أخذ كلّ ما لنا، حتّى جسدنا الفاسد، ليكون مشابهاً لنا في كلّ شيئ، وليقول لنا أن ابن الله جاء من أجل الجميع، وأن جسده قد شابه جسدنا الخاطئ، شابهه ولم يشبهه: "أرسل ابنه في جسد يشبه جسدنا الخاطئ، كفارة للخطيئة، فحكم على الخطيئة في الجسد. (روم ٨، ٣)
ليكون الرّ ب الكلمة مساوياً للإنسان في كلّ شيّ، فقد شاء الآب أن لا يكون للإبن المجد الّذي يرافق طبيعته الإلهيّة، الى درجة أن يطلب المسيح من الآب أن يهبه بعض من مجد، مجد الإبن الوحيد. "يا أبـي جاءت الساعة: مجد ابنك ليمجدك ابنك" (يو ١٧، ١). فالخطأة هم المحرومون عادة من مجد الله، ويسوع ماثلهم في الحرمان من مجد الله هو الّذي لم يقترف خطيئة، "هم كلهم خطئوا وحرموا مجد الله" (روم ٣، ٢٣)، وهو يطلب من الله أن يعطيه هذا المجد من جديد، والله يستجيب مسيحه، يعطيه ملء مجده من خلال مجد القيامة. المسيح القائم صار إيقونة مجد الله تشعّ على العالم، وعبر قيامته شاركنا كلّنا في مجد اللاهوت، ودخلنا حالة التبنّي.

الأب بيار نجم ر.م.م.

 

   

المحبّة تصبر وتَرفُق، المحبّة لا تَعرف الحسد ولا التفاخُر ولا الكبرياء.
المحبّة لا تسيء التصرّف، ولا تطلُب مَنفعتها، ولا تحتَدّ ولا تَظُنّ السّوء.
المحبّة لا تفرح بالظُلم، بل تفرح بالحَقّ.
المحبّة تَصفح عن كُلّ شيء، وتُصَدِّق كُلّ شيء، وتَرجو كُلّ شيء، وتَصبُر على كُلّ شيء.
المحبّة لا تَزول أبدًا. أمّا النبوّات فتَبطُل والتكلّم بلغاتٍ ينتهي. والمَعرفة أيضًا تَبطُل، لأنّ مَعرفتنا ناقصةٌ ونبوّاتنا ناقصةٌ. فمتى جاءَ الكامِل زالَ النّاقِص.

 



أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007