"الروح القدس يحِلّ عليك، وقُدرة العليّ تُظللك، ولذلك فالقُدّوس المَولود مِنك يُدعى ابن الله!" (لو 1 \ 35)

دور العذراء مريم في حياة المسيحي

 


لماذا إكرام مريم؟

يعلّمنا الكتاب المقدّس أن العبادة لا تجوز إلاّ لله وحده. ففعل العبادة يعني الإعلان، من خلال الفكر والقول والعمل، أنّ الله هو مصدر وجودي، وأنّي بكّلّيّتي متعلّق به. لا يمكن أن أكون موجوداً ولا أن استمرّ بالوجود إلاّ بنعمة منه وحده.
أمّا في ما يتعلّق بالعذراء والقدّيسين مهما على شأنهم، فأنا لا أعبدهم، بل أكرّمهم. إن فعل الإكرام يختلف تماماّ عن فعل العبادة، أكرم القدّيسين في حياتي الروحيّة والليتورجيّة، لأنّهم إخوة لي في الإنسانيّة دخلوا مجد السماء وكانت حياتهم مثالاً كاملاً في حبّ الله، لذلك استحقّت حياتهم أن تكون مثالاً لي كمسيحيّ، تساعدني إن اقتديت بهم، على السير على دروب القداسة.
الشفاعة والوساطة: حين نعلن أن العذراء أو القدّيسين هم شفعاء لنا، نعني بقولنا أنّهم يصبحون وسطاء لنا لدى الآب. ولكن هل يجوز أن نفهم في هذا القول أنّ الشفاعة هي محاولة بشريّة لتغيير رأي الله، فالله يحبّنا أكثر من أي كائن آخر، ولا يحتاج الى من يذكّره بمحبّته لنا وبحاجتنا اليه. إنّ الشفاعة هي ليست محاولة لتغيير رأي الله ليخّلصنا بدلاً من معاقبتنا، بل هي مشاركة إنسانية في الخلاص الإلهيّ. من خلال طلب الشفاعة نفهم ان الله يشركنا في خلاصه للإنسانيّة من خلال الصلاة. إن القدّيسين، وبنوع خاص والدة الله مريم، يشاركون الله في مجده السماويّ، وبصلاتهم لنا يشاركوننا مصيرنا الإنسانيّ ويشاركون الله في رغبته في خلاص البشريّة. صلاتهم لنا لا تعني محاولة تغيير رأي الله، بل هي مشاركة معه في خلاص كلّ واحد منّا. من خلال شفاعة القدّيسين يخلق الله رباط محبّة مع إخوتنا القدّيسين الّذين يشاركون الله في مجده، وبالتالي نصبح كلّنا مرتبطين معاً في رباط من محبّة لا ينقطع.
لا يمكننا أن نفصل دور مريم عن دور ابنها، فأهمّية مريم تأتي من أهميّة دور ابنها في خلاص بشريّتنا، فبإكرامنا الأمّ نكرم الإبن، وما كان ممكنا أن يكون لشخص مريم أهمّية تُذكر لولا وجود ابنها، المخلّص الأوحد لجنسنا البشريّ. فالله القائل بإكرام الأب والأم، كيف لا يطلب منّا أن نكرم تلك التي صارت أمّ الله بالجسد؟ ففي سفر الخروج نقرأ: أكرم أباك وأمّك لكي يطول عمرك في الأرض التي أعطاك إياها إلهك (خر 20، 12)، ومن ضرب أباه وأمه فليُقتل قتلا (خر 21، 15)، Ex 21,17 ومن لعن إباه وأمه فليُقتل قتلا (خر 21، 17)، وفي سفر اللاويين يقول الرّب: " ليحترم كل إنسان أباه وأمه و احفظوا يومي المقدس أنا الرب إلهكم" (لا 19، 3).

إكرام الأم هو إكرام للإبن، والعهد القديم يعطينا مثلاً جميلاً عن كلمة الأم المقبولة التي لا يرفضها الملك ابنها، ففي سفر الملوك الأوّل نقرأ: " فدخلت بتشابع على الملك سليمان فقام الملك لإستقبالها وسجد لها ثم جلس على عرشه ووضع عرشا لأم الملك فجلست عن يمينه. وقالت إنما أسألك حاجة واحدة صغيرة فلا ترفض طلبي فقال لها الملك أطلبي فأنا لا أرفض طلبك" (1مل 2، 19). فإن كان الملك الأرضي لا يرفض لأمّه طلباً فكم بالأحرى الملك السماويّ، ربّنا المسيح يسوع؟
أمّا العهد الجديد فيقدّم لنا حدث عرس قانا، حين تمّم الرّب معجزته الأولى بطلب من الوالدة العذراء، من مريم التي حملت حاجة العروسين الى السيّد، واشتركت في رغبته الخلاصيّة. إن عرس قانا يشرح لنا معنى شفاعة القدّيسين: لقد طلبت من الرّب، ولكنّها أيضاً علّمت التلاميذ أن يفعلوا ما يأمرهم الرّب به.

الإكرام هو اقتداء، بإكرامنا القدّيسين نحاول أن نقتدي بحياة بطولة عاشوها ليستحقّوا الدخول مجد الرّب. وباكرامنا للعذراء نحاول أن نقتدي بسيرتها لنكون نحن أيضاً، على مثالها، حاملين للرّب في قلوبنا كما حملته هي في أحشائها:
مريم هي صورة كلّ واحد منّا في علاقته مع الربّ يسوع، فهي سمعت دعوة الله لها لتدخل في مخطّطه الخلاصيّ، فآمنت وأطاعت. هي لم تفهم كل شيء دفعة واحدة، ولكن رغم عدم فهمها الكامل كان لمريم إالثقة بالله والإيمان بقدرته على التدخل في حياتها وتركت له مجال العمل في حياتها. بإكرامنا لمريم، نحاول أن نتعلّم منها قوّة الثقة بالله الّذي يحبّها وبحبّنا: كم من المرّات نتردّد إزاء دعوة الله لنا، لأنّنا لا نثق به كفاية لنضع مصيرنا بين يديه، أمّا مريم فكانت على ثقة بأن الله يحبّها، ويحضّر الأفضل لها وللبشريّة بأسرها، لذلك لم تخف من أن تسلمه حياتها كلّها.
مريم هي أيضاً تلميذة إبنها يسوع، ففي مسيرة نموّها الرّوحيّ، فتحت مريم باب قلبها على سرّ ابنها الموجود في داخلها، وتعرّفت عليه أكثر فأكثر، لم تخش المجازفة والإنطلاق. لقد احتاجت الى حياة جهاد بطوليّ لتتعرّف على أسرار ابنها الإله والإنسان. ولم تقتصر معرفتها على البعد العقليّ والمعرفيّ، بل اجتازته ايضاً الى البعد العمليّ، فسمعت كلام ابنها وتأمّلت به في قلبها وطبّقته في حياتها، فصارت التلميذة الصامته التي تنشر حبّ المسيح وخلاصه في الكون بأسره.
هذه التلميذة المطيعة قد صارت معلّمة للتلاميذ في كيفيّة الإقتداء بابنها وربّها، فهي التي قالت: "افعلوا ما يأمركم به"، دعوة لنا كلّنا اليوم للإقتداء بالرّب والعمل بما يأمرنا به، فهو وحده يقدر أن يحوّل ماء نقصنا الى خمرة فرح، خمرة الخلاص الأبدي.
إن إكرامنا لمريم يرتبط بعبادتنا لإبنها، فلا قيمة لمريم إذا فصلناها عن سرّ المسيح. أمّا ما ندعوه عادة "العقائد المريميّة"، فهي في الحقيقة عقائد ترتبط بسرّ المسيح، ولا قيمة لها خارج سرّ المسيح ومخطّطه الخلاصيّ. لذلك سوف نعرض أهم أحداث حياة مريم والعقائد "المريميّة" لنفهم أكثر أهميّة شخص مريم في سرّ المسيح وفي عمله الخلاصيّ من أجلنا.

مولد العذراء

يقول سفر المزامير: "إن إنتظار نفسي للرب أشد من إنتظار الرقباء للصبح والساهرين للفجر" (مز 130). بهذا نفهم معنى أهمّية حدث مولد العذراء. لولا المسيح، لكانت ولادة مريم كولادة المئات من بنات مدينتها، وكآلاف الولادات من بني شعبها، ابنة تضاف الى عداد شعب الله واسم آخر يسجّل في سجلاّت جماعات اسرائيل. إن أهميّة ولادة العذراء يرتبط بأهميّة ولادة ابنها في المستقبل، لذلك قلنا: " إن إنتظار نفسي للرب أشد من إنتظار الرقباء للصبح والساهرين للفجر"، فولادة العذراء هي الفجر، والفجر ليس هو الشمس، بل هو النور الّذي يكبر رويداً رويداً معلنا قرب وصول الشمس. ومريم هي مثل الفجر الّذي يشير الينا الى أن شمس خلاصنا بدأت تطلع، وأن نور مخلّصنا بدأ يكبر. مريم هي علامة رجاء للبشريّة، لأنّ ولادتها هي تمهيد لولادة الطفل الّذي سوف يعطينا الخلاص.

إكرامنا للعذراء هو مثل التطلّع الى الفجر يبزغ. من منّا لم يختبر ليل قضيناه في مستشفى، في الليل، حين تخفت كلّ الأصوات حولنا ونبقى وحدنا مع ألمنا. صمت الليل هذا يضعنا أمام أنفسنا، أمام خوفنا، أمام موتنا. ولكن الرجاء يعود الى قلبنا حين نبدأ برؤية الفجر يولد، يشير الينا الى أن الشمس سوف تسطع قريباً، والحياة سوف تدبّ على الأرض وحولنا من جديد، سوف نسمع أصوات أحبّائنا، ونرى من حولنا أخرين يعزّوننا في ألمنا ويخّففون عبء الوحدة التي نشعر بها. هكذا نفهم ميلاد السيّدة العذراء، هي الفجر يسطع معلناً: لقد اقترب وصول شمس البرّ والقداسة، شمس الخلاص والحبّ، شمس المسيح المخلّص. لهذا ننادي المسيح في الليتورجيا المارونيّة قائلين: "يا شمس البرّ الخارج من مريم، الفجر الحقّ، على ظلام هذا العالم لتنيره".

الرسالة:
إن طفولة مريم هي صورة روحيّة لكلّ واحد منّا، فالطفل هو رمز للبراءة وللإتّكال: مريم الطفلة الرضيعة هي صورة للكائن الرّوحيّ الّذي يجب أن نصل اليه، الكائن البريء، الّذي يرى جمال الخليقة وجودة البشر الآخرين. هي صورة الكائن الّذي لم يحوّله المجتمع والخطيئة الى كائن قاس، أنانيّ، ينتقم، يكره، يحقد، يشكّ ويقتل.
ولكّنها أيضاً صورة للإتّكال على الله الآب، فالطفل يستسلم بين يدي والده، يشعره بينهما بالآمان، لا يخشى السقوط، لا يتسائل أبداً إن كان والده سوف يجعله يسقط في لحظة ما. لأنّه يحبّ يثق، ولأنّه يثق يستسلم لإرادة والده. هو مثال لكلّ واحد منّا يعلّمنا معنى الإيمان، أن نحبّ ونثق ونستسلم بين يدي الآب ونقبل بإرادته، لا نطرح تساؤلات ولا نضع على الله شروطاً.
الطفولة هي أيضاً صورة للكائن المحتاج الى عناية دائمة، هي صورة للملكوت الّذي رغم قوّته الا أنّه يحتاج الى عنايتنا لكيلا يموت، تماماً مثل الطفل الّذي رغم جماله، هو معرّض للموت إن لم يهتم والداه به. مريم الطفلة هي صورة للملكوت الّذي قدّمه الله لنا والّذي يحتاج الى عنايتنا ليبقى حيّاً ولا نفقده بخطيئتنا.

عقيدة الحبل بلا دنس

إن هذه العقيدة هي مصدر سوء فهم للكثير من المسيحيّين إذ يمزجون بينها وبين عقيدة الحبل العذري لمريم بالّرب يسوع. لا يجب أن نخلط بين الحبل بلا دنس وبين بتوليّة مريم الدائمة، ما قبل وحين وما بعد الولادة. كما لا يجوز أن نفهم أن الحبل بلا دنس يعني أن العذراء قد حُبل بها دون تدخّل رجل، فمريم وُلدت من فعل حبّ مقدّس جمع والداها القدّيسين يواكيم وحنّة. ولكنّ الفرق بينها وبين كلّ إنسان آخر هو أنّها، ومنذ اللّحظة الأولى لتكوّنها في حشا والدتها، وبنعمة من الله وبافتداء مُسبق، حُفظت مريم من الخطيئة الأصليّة.

نصّ العقيدة:
في الثامن من كانون الأوّل 1854 أعلن البابا بيوس التاسع عقيدة الحبل بمريم العذراء معصومة من الخطيئة الأصليّة: "نعلن، نصرّح ونحدّد أن العقيدة التي تقول أن الطوباويّة مريم العذراء، ومنذ أول لحظة تكوّنها، وبنعمة فريدة وبامتياز خاصّ من الله الضابط الكلّ، وبتطلّع الى استحقاقات يسوع المسيح، مخلّص الجنس البشري، قد حُفظت مصانة من كلّ وصمة الخطيئة الأصليّة، هي عقيدة مُلهمة من الله ولهذا يجب أو يؤمن بها المؤمنون بثبات وباستمرار".

لنفهم هذه العقيدة دون أن نمزج بينها وبين عقيدة بتوليّة مريم الدائمة، ودون أن نقع في خطأ الإعتقاد أن الحبل بلا دنس يعني ان مريم قد وُلدت دون تدخّل رجل، لا بدّ من أن نشير، باختصار، الى ماهيّة الخطيئة الأصليّة التي تطال جنسنا البشرّي بأسره.

الخطيئة الأصليّة:
لقد خلق الله الإنسان، رجلاً وأمرأة، على صورته ومثاله خلقهما. لقد خلق الله الإنسان لتكون له ملء السعادة لكونه إنساناً وابناً لله. لقد كانت رغبة الله أن يجعل الإنسان شريكاً في الحياة الإلهيّة، أن يدخل في علاقة حبّ وبنوّة مع الله الخالق، وأن يحقّق الرغبة الموجودة في أعماقه بأن يبلغ غاية الفرح الإلهيّ والأبديّ. لذلك جعل اللهُ الخليقة كلّها بتصرّف الإنسان، ليحميها ويحافظ على جمال الله الموجود فيها. وصيّة واحدة أٌعطيت للإنسان: ألاّ يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ، وهي صورة رمزيّة، معناها أن الإنسان لا يجب أن يصل بكبريائه الى الرغبة بأن يكون منفصلاً عن الله، لا يجب أن يدفعه جهله وكبريائه للتفتيش على جعل نفسه مكان الله.
لكن الإنسان اختار الإنفصال، فضّل السماع لكلمات الشرّير ورفض وصيّة الله، لقد أراد أن يكون "مثل الله"، لا أبن الله. أراد أن يضع الله على هامش حياته، أراد أن يلغي الله ويضع نفسه محوراً للخليقة. لقد سقط في الخطيئة التي سقط فيها الشيطان قبله. الشيطان، الّذي كان اسمه لوسيفوروس، أي حامل النور، سقط بسبب كبريائه ورفضه لله، فتحوّل من حامل النور الى أمير الظلام.
الفرق بين الإنسان والملاك، أن الإنسان هو ذو معرفة ناقصة وحرّية ناقصة، أمّا الملاك فكان يعرف تماماً ماذا يعني التمرّد على الله، كان يعرف أن نتيجة تمرّده هو الإنفصال الأبديّ عن نبع الحياة، واختار بملء إرادته هذا الخيار، فلا عودة عن خياره لأنّ الله لا يغتصب حرّية مخلوقاته العاقلة.
أمّا الإنسان، فكانت حرّيته نسبيّة، وكان عمله مسيّراً نسبيّاُ بغشّ الشيطان له، لم يختر جهنّم بملء إرادته، ولكنّه كان يعلم أنّه "إن أكل من ثمرة المعرفة فموتاً يموت". ولأنّ الله لا يغتصب حرّية كائناته العاقلة، فقد مات الإنسان بالخطيئة، طُرد من الجنّة، أي انفصل عن الحياة الإلهيّة. ونتيجة لهذا الإنفصال كان الموت. هذه هي الخطيئة الأصليّة التي يشترك فيها الجنس البشريّ بأسره، لأنّ رفض الله والرغبة بالإنفصال عنه بسبب كبريائنا دخل الى صميم طبيعتنا البشريّة.

نتائج الخطيئة الأصليّة:
- فقدان العلاقة البنويّة مع الربّ الخالق، والدخول في علاقة الخوف والخجل: للمرّة الأولى يشعر الإنسان بالخجل "لأنّه عريان"، وبالخوف "سمعت صوت خطواتك في الحديقة فخفت" (تك 3، 10). لقد صار وجوده مصدر عار له، وصار يخجل من التكلّم مع الله. بدل علاقة المحبّة البنويّة، بدأت علاقة الخوف. لقد بدأ الإنسان يعتبر نفسه عبداً.
- الحريّة المريضة: بعد أن استعمل الإنسان حريّته ضدّ محبّة الله وجرح قلبه الوالديّ، صار حريّة الإنسان مريضة، صار يتخبّط بين ما هو خير وما هو شرّ، وصار نزعته الداخليّة نحو الشرّ تقوى وتسيطر عليه. منذ سقوطة في الخطيئة الأصليّة، صار الإنسان مجزءاً، منقسماً على ذاته، مستعبداُ للشرّ، كما يقول بولس الرسول: "الخير الّذي أريده لا أصنعه، والشرّ الّذي لا أريد، إيّاه أفعل" (روم 7، 15).
- انقطاع العلاقة الحسنة بين الإنسان وأخيه: بعد الخطيئة الأصليّة، بدأت سلسلة من الشرور والجرائم الفظيعة، بدايتها كان قتل الإنسان لأخيه، حين قتل قايينُ هابيل. لقد تملّك الشرّ قلب الإنسان. بعد الخطيئة بدأت الحروب، والإنقسامات في الجماعة البشريّة، وبدأ الإنسان يرغب أكثر فأكثر في الوصول الى الحلول مكان الله، كما تخبرنا رواية برج بابل، رمز الى كبرياء الإنسان، الّذي بعلمه وبتقنيّاته الحديثة يظنّ نفسه قادراً على الحلول مكان الله. هو أيضاً حال مجتمعنا اليوم، بعلمه وتقدّمه التكنولوجيّ يسعى الى الحلول مكان الله، يرغب في جعل نفسه خالقاّ، من خلال التلاعب بجسم الإنسان وبكرامته.
- إنقطاع العلاقة الخيّرة بين الإنسان والطبيعة. الطبيعة التي خلقها الله ورآها حسنة وأسلمها لعناية الإنسان، بدأ الإنسان يشوّهها ويسيئ استعمالها. لم يعد يسعى الى حماية جمال الخالق في خليقته، بل صار يستعملها في خدمه مآربه. أليس هذا ما نقوم به اليوم نحن أيضاً؟ ألسنا ندمّر جمال الله في خليقته من خلال إهمالنا المحافظة عليها والإمعان في تشويهها وتلويثها؟

وعد الله بالخلاص:
بخطيئته حكم الإنسان على نفسه بالموت، لأنّه انفصل عن الله مصدر حياته ووجوده، فإن الله برحمته وعده بالخلاص، وبالمخلّص الّذي يأتي من حوّاء ليدوس رأس الحيّة. إن هذا الوعد قد تحقّق بولادة يسوع المسيح من مريم، حواء الجديدة. ولأن الله لا يمكنه أن يتجسّد في هيكل ملطّخ بالأوساخ، ولا أن يأخذ جسداً من إمرأة خاضعة للخطيئة، لذلك هيأ الرّب جسد مريم وكيانها من أوّل لحظة تكوّنها في حشا أمّها لتكون طاهرة نقيّة. فكيف للمخلّص أن يخلّص الإنسان من خطيئة آدم وحوّاء، إن كان هو مولوداً في جسد خاضع للخطيئة؟ فالرّب القائل: "ليس أحد يجعل رقعة من ثوب جديد في ثوب بال لأنها تأخذ ملأها من الثوب فيصير الخرق أوسع، ولا تجعل خمر جديدة في زقاق قديمة وإلا فتنشق الزقاق وتراق الخمر وتتلف الزقاق" متى 9، 16-17 هو هيأ مريم لتكون ثوباً جديداً لا خرقة بالية، ولتكون زقاقاً جديداً، لا زقاق خمر الخطيئة القديمة الملوّث بالكبرياء وبمعصية الله.

هناك من يعترض على هذه العقيدة قائلين: "إن كانت مريم لم تحتاج الى المسيح ليخلّصها مثل الجنس البشريّ بأسره، فهي صارت إلهة لا إنسانة، ولم يعد خلاص المسيح شاملاً للبشريّة بأسرها". ولنجيب على هذا القول، يجب أن نقرأ نصّ العقيدة جيّداً كما أعلنه البابا بيوس التاسع: " أن الطوباويّة مريم العذراء، ومنذ أول لحظة تكوّنها، وبنعمة فريدة وبامتياز خاصّ من الله الضابط الكلّ، وبتطلّع الى استحقاقات يسوع المسيح، مخلّص الجنس البشري، قد حُفظت مصانة من كلّ وصمة الخطيئة الأصليّة ". تشدّد العقيدة على حقيقة أن مريم تشترك في الخلاص الشامل الّذي تمّمه المسيح إلهها، فهي ليست خارجة عن هذا الخلاص بل في صميمه وبنوع من الأنواع أداة له لأنّ منها تجسّد الرّب. لا تساوي الكنيسة بين مريم والمسيح، فالإبن وحده لم يخضع للخطيئة بالطبيعة، أمّا مريم فحُفظت من الخطيئة بالنعمة الإلهيّة لا بالطبيعة ولا باستحقاقها الشخصيّ. يقول بيوس التاسع: "وبتطلّع الى استحقاقات المسيح": نحن كلّنا خلصنا من الخطيئة الأصليّة بالمعموديّة وباستحقاقات يسوع المسيح، أمّا مريم فخلصت بنفس الإستحقاقات، ولكن بطريقة مسبقة. لقد افتدى يسوع أمّه مريم بموته وقيامته قبل ان تولد، وبالتالي فهي تشارك جنسنا في الحاجة الى الخلاص، ولكنّها خُلّصت قبل ان تولد لتكون إناء طاهراً نقيّا لعطر المسيح الجميل، وهيكلاً مقدّسا يحتوي على الجسد الطاهر. هي لم تخضع للخطيئة لأنّها افتديت منها مسبقاً وصارت طاهرة منذ أوّل لحظة تكوّنها. لذلك يصحّ ما نقول في قدّاسنا المارونيّ: "لأنّ واحداً ظهر على الأرض بلا خطيئة، هو ربّنا وإلهنا يسوع المسيح"، لأنّنا بهذا نعني أن واحداً تجسّد دون خطيئة باستحقاقاته الخاصّة، أمّا الباقون كلّهم، بما فيهم مريم العذراء، فقد خلصوا من الخطيئة باستحقاقات يسوع المسيح الّذي مات وقام من أجلهم ليخلّصهم.

مريم البريئة من الخطيئة الأصليّة هي معلّمة لي اليوم في تتلمذي للمسيح:
- هي تعلّمنى أن الله هو أب، وأني ابن ولست عبداً. أنا كائن أسعى الى نضجي الرّوحي ولا أبقى القاصر في الحياة الرّوحيّة، غير قادر على اختيار الخير والجمال، على اختيار الله ورفض الشرّ.
- تعلّمني أن أعلم أن لا ضرورة لقتل الله في حياتي لأنمو. آدم وحوّاء كانا يظنّان أن لا بد من إلغاء الله ليصبحا أحراراً: هي نظرة العبد نحو سيّده لا نظرة الإبن نحو أبيه. مريم أحبّت الله، لم تخف منه ولم تجده سيّداً يستعبدها، وثقت به وأطاعته، أعلنت نفسها خادمة لإرادته في حياتها ولم تسع الى التحرّر منه كما فعلت والدتها حوّاء الأولى. علمت مريم أن خدمة الله لا يمكن ان تكون في العبوديّة، بل في تحرّر القلب من كلّ ما يعيقنا عن خدمة الرّب والطاعة له. فالرّب يريد سعادتنا، ويريد لقلبنا أن يبلغ غايته: السعادة الأبديّة. علمت مريم أن حرّيتها الحقيقيةّ تجدها في الطاعة لله وفي خدمة القريب، أمّا الحريّات الوهميّة التي يقدّمها لنا المجتمع، حرّية المال، والسلطة والزنى والمخدّرات واللّهو والمقامرة، سواها من حريّات زائفة، فهي حريّات تستعبد قلبنا، تقدّم لنا التعاسة لا السعادة، تقدّم لنا السجن لا الحريّة، تهبنا اليأس لا السعادة والفراع لا ملء القلب.
- مريم البريئة من الخطيئة الأصليّة تعلمني أن خطيئتي تؤثّر في الآخرين، فأنا عضو في الإنسانيّة ومصيري يرتبط بمصيرهم وشرّي يؤثّر عليهم. أنا فرد ضمن جماعة الكنيسة، وخطيئتي تؤثّر على مسيرة شعب الله نحو الملكوت، فالعضو المريض بالخطيئة يمنع تقدّم الجسد نحو هدفه الأخير.

صلاة:
يا مريم، أمّ يسوع وأمّي. كان اسمك على شفتّي منذ فجر حياتي. منذ طفولتي تعلّمت حبّك، دعوتك في شدائدي، وثقت بشفاعتك. أنت تعرفين كم في قلبي من رغبة في أن أكون لله بكلّيتي، وأن أكون أميناً في بنوّتي، قوّياّ، واثقاً، وأن أكون للجميع أخاً ومساعداً.
يا مريم، يا نجمة الصبح البهيّة، يا بريئة من الخطيئة ودنسها، يا أميّ، يا حبيبتي وبا رجائي، يا معلّمتي الخطوات الأولى في محبّتي لإبنك وربّي، كوني بقربي دوماً، وعلّميني أن أكون لابنك التلميذ الأمين.
أمي أنت، أناديك بالسلام صبحاً ومساء، على الطريق أدعوك، في عملي أدعوك، في عائلتي أدعوك، في ألمي وفي الفرح. علّميني أن أحبّ ابنك، علّميني أن كلّ زهرة أقدّمها اليك هي قبلة أضعها على جراح يسوع. كم أحبّك يا مريم يا أمّاً لم تهملني يوماً. شكراً لكلّ ضمة، ولكلّ قبلة ولكلّ إرشاد. معك ومثلك أريد أن أكون قرب ابنك، ليس فقط في سعادة الميلاد، ولا في فرح عرس قانا، بل ايضاً معك تحت الصليب. أعطيني يا أميّ شجاعتك، هبيني قوّتك، علّميني رجائك، ارشديني الى درب ابنك.
إن قلت لك طاهرة، فطهر الكون لا يصف طهرك، إن قلت لك نقيّة، فأنت من النقاوة أكثر نقاوة، إن قلت لك معلّمتي في الإيمان، فوصفي يبقى ناقصاً. أتعلمين؟ أقول لك أمّي، ثلاثة حروف توفيك المديح.

مريم عذراء قبل وفي وبعد الولادة

العقيدة
تعلّم الكنيسة الكاثوليكيّة أن العذراء مريم كانت بتولاً قبل ولادة ابنها، وعند الولادة وبقيت بتولاً طوال حياتها حتى ساعة انتقالها الى السماء بالنفس والجسد. لقد هيأ الرب بتول الناصرة لتكون أمّاً لإبنه، هيكلاُ وعروساً طاهرة للروح القدس، وأمّا للتلاميذ وشفيعة لهم.
طهارة مريم الروحيّة قد تجلّت من خلال عصمة مريم من الخطيئة الأصليّة (راجع الفقرة السابقة)، أمّا طهارة مريم الجسديّة فقد تجلّت من خلال بقائها بتولاً منذ الولادة وحتّى ساعة الإنتقال. إن هذه البتولية التي رافقت حياة مريم ليست نابعة عن احتقار للجسد أو للزواج، بل هي علامة جسديّة تعكس بعداً روحيّاً: مريم اعطيت دعوة فريدة ومميّزة، فصارت بوفائها لهذه الدعوة تقدمة كاملة للرّب. من خلال بتوليتها قدّمت مريم حياتها، وجودها ومستقبلها لله الّذي فيها عجائبه، فوضعت حياتها كلّها في خدمة كلمة الله، كلمة تجسّدت في حشاها وحوّلتها الى مثال للقداسة وللتتلمذ.
بتولية مريم الرّوحيّة هي حقيقة تتعلّق بالمسيح وليس فقط بالعذراء مريم: بتوليّة مريم تعيدنا الى سفر التكوين، وتُظهر أن ما حصل في حياة مريم هو في سبيل تجديد الخليقة التي سقطت في الخطيئة بسبب رفض حوّاء. كما أن آدم قد أخرجه الله من تراب جنّة عدن الطاهرة، كذلك خرج المسيح من أرض طاهرة، من جسد العذراء الّذي لم تدنّسه الخطيئة. وكما أن جنّة عدن قد حماها الله من الخطيئة إذ طرد منها آدم وحوّاء وحرسها بالكروب الحامل رمح النار، كذلك حمى الله بتولية مريم حتى بعد ولادة المسيح ابنها.
كما أن بتولية مريم هي علامة الوهيّة الإبن، فالآب الوحيد للكلمة هو الله الآب، وحبل مريم قد تمّ بحلول الرّوح القدس عليها. لهذا يجب أن نفهم أن بتولية مريم ترتبط بسرّ المسيح إبنها، فهي الضمانة على حقيقة الألوهة في يسوع المتجسّد.

إخوة يسوع

تستعمل الجماعات التي تنفي بتوليّة العذراء آيات من العهد الجديد تورد فيها لقب "إخوة يسوع"، وبالتالي يقولون أن إن كان ليسوع إخوة، فلا بدّ أن مريم عاشت مع يوسف حياة زوجيّة طبيعيّة بعد ولادة يسوع. والآية الأكثر وضوحاً هي متى 13، 55 " أمَا هوَ اَبنُ النَّجّارِ؟ أُمُّه تُدعى مَريمَ، وإِخوتُهُ يَعقوبَ ويوسفَ وسِمْعانَ ويَهوذا؟ ".
لا بدّ من شرح معنى كلمة أخ في العهد القديم، في التقليد اليهوديّ وفي عند الشعوب المجاورة أيضاً:
- في اللغة العبريّة، كما في الآرامية واللغات الساميّة القديمة، قبل تطوّرها (مثل العربية القديمة والسريانيّة القديمة)، لم يكن هناك وجود لعبارة تعني: قريب، نسيب... فكلمة "أخ" كانت تعني في آن معاً الأخ المولود من الأب والأم نفسهما، الأخ المولود من واحد من الوالدين أو كانت تعني حتى القريب والنسيب، والأشخاص الّذين ينتمون الى القبيلة نفسها والى الشعب الواحد (كما في أع 3، 17. 22، عب 7، 5)، أو أشخاص تربطهم مصلحة مشتركة (مت 5، 47؛ أع 22، 9)، المؤمنين بالمسيح (مت 23، 8؛ أع 1، 15؛ روم 1، 13...)، التلاميذ (مت 28، 10؛ يو 20، 17).
- يورد الإنجيل أسماء النساء ، ومن بين الأسماء يقول "مريم أختها التي هي زوجة كلاوبا"، فهل يُعقَل أن تُدعى أُختان بالإسم نفسه؟ إن أخت هنا، مثل أخ، تعني قريبة.
- في العهد القديم نجد أبراهيم يدعو لوط "أخي"، رغم أن لوط هو ابن أخيه لا أخيه، ويقول له: "ألسنا أنا وأنت إخوة؟" (تك 14، 14) كما أن لابان يدعو إبن أخيه يعقوب "أخي" (تك 29، 10). وفي تك 23، 7؛ 2 صم 1، 26؛ 1مل 9، 13؛ 2 مل 10، 13-14، إر 34، 9 و عاموص 1، 9 فكلمة أخ تعني أفراد العائلة الواحدة حتى لو لم يكونوا إخوة فعلاً.
نستنتج بالتالي أن كلمة "إخوة" في إنجيل متى، والتي يعتمد عليها من ينفي بتولية مريم، لا يمكنها أن تشكّل دليلاً حقيقيّاً لعدم بتولية العذراء الطاهرة.
- في العهد الجديد، نجد أن مريم ويوسف قد ذهبا مع الطفل يسوع الى هيكل أورشليم، فلماذا لا نجد ذكراً لهؤلاء الإخوة المزعومين؟
- عند أقدام الصليب، طلب الرّب من التلميذ أن يهتمّ بمريم، فأخذها التلميذ الى خاصّته، يقول الإنجيل. فهل يُعقل لمن لديها 4 أو 5 أولاد أن تذهب الى بيت رجل غريب عن العائلة؟

فلم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر

إن عبارة "حتى" اليونانيّة لا تعني بالضرورة تغيير الحالة السابقة وتبديلها بحالة جديدة، وفي موضوعنا هذا فهي لا تعني أن مريم عرفت يوسف بعد ولادتها لإبنها البكر. ففي رسالة مار بولس الأولى الى أهل قورنتس (15، 25) نجد آية من سفر المزامير: قال الرّب لربّي، إجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك. فهل أن الرّب قد طرد مسيحه عن يمينه بعد إخضاع الأعداء؟
أمّا عبارة الإبن البكر، فلا تعني بالضرورة أن مريم قد ولدت أولاد آخرين بعد يسوع. إن عبارة بكر تحمل معنى قانونيا ولا تشير الى عدد الأولاد، فالإبن الأول كان يُدعى "البكر" ولو كان ابناً وحيداً، هو فاتح الرحم (خر 13، 2)، وبالتالي فهو ملك الله، يُقدّم لله في الهيكل في اليوم الأربعين من ولادته (خر 34، 20).
إن العديد من الّذين ينكرون بتولية مريم اليوم هم من أبناء الجماعات البروتستانتيّة، ولكن نشير الى أن أرباب الإصلاح البروتستنتي لم يكونوا ينكرون بتوليّة مريم:
مارتين لوثر كان يقول: "أن بتوليّة مريم الدائمة هي موضوع إيمان. فنحن نؤمن أن المسيح وُلد من حشا تُرك مُصاناً بكليّته". ويوحنّا كالفين قال: "جرّب البعض القول أن متى 1، 25 يعني أن مريم انجبت أولاداً آخرين، وأن يوسف قد عرفها بعد ولادة يسوع، ما هذا الجنون؟ فكاتب الإنجيل لم يكن يتكلّم عمّا حصل بعد ولادة يسوع، إنّما أراد التشديد على طاعة يوسف، وأن يُظهر أن يوسف كان أكيداً أن الله أرسل ملاكه الى مريم، لهذا لم يُساكن مريم بعدها ولا عرفها يوماً. وإن كان ربّنا قد دُعي "البكر"، ليس لأنّ كان له إخوة آخرين، إنّما لأنّ الإنجيليّ كان يتكلّم على حقّ البكوريّة. هكذا يسمّيها العهد القديم حتى لو لم يكن للبكر أخاً أصغر منه".
أمّا زوينغلي فقال: "اؤمن بثبات أن مريم، بحسب الإنجيل، أعطت الولادة لإبن الله من أجلنا وبقيت بتول طاهرة في الولادة وفي ما بعد الولادة بقيت دوماً عذراء طاهرة كاملة".

 



   

 



أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007