لمّا كنت طفلاً، كطفلٍ كنت أتكلّم وكطفلٍ كنت أُدرك، وكطفلٍ كنت أفكّر، ولمّا صرت رجلاً، تركت ما هو للطفل. وما نراه اليوم هو صورة باهتة في مرآة، وأمّ في ذلك اليوم فسنرى وجهًا لوجهٍ. واليوم أعرف بعض المعرفة، وأمّا في ذلك اليوم فستكون معرفتي كاملة كمعرفة الله لي. والآن يبقى الإيمان والرّجاء والمحبّة، وأعظم هذه الثلاثة هي المحبّة (1كور 13 \ 11-13)
 

                                       أعطيكم سلامي
                                                                  بقلم كيارا لوبيك


ثلاثون حرباً تسود عالمنا اليوم، بعضها تدور تحت أنظار الجميع، وأخرى هي حروب لا يتكلّم عنها أحد، رغم فتكها وقساوتها.  عنف، حقد، صراعات نجدها حتى في البلدان التي "تحيا في السلام".
كلّ شعب وكلّ شخص يشعر بتوق عميق الى السلام، الى الوئام، الى الوحدة، ورغم هذا، وبرغم الجهود والنوايا الحسنة، وبعد آلاف السنوات من تاريخ الإنسان، نجد أنفسنا غير قادرين على صنع سلام ثابت ودائم.
لقد جاء يسوع يقدّم لنا السلام، سلام، بحسب قوله، ليس كالسلام الّذي يعطيه العالم، لأنّ سلامه لا يعني فقط غياب الحرب والصراعات والإنقسامات والآلام.  سلامه هو هذا كلّه، إنّما هو أكثر من هذا بكثير: سلامه هو ملء الحياة والفرح، هو خلاص الإنسان الشامل، سلامه هو حرّية، هي أخوّة في المحبّة بين الشعوب كلّها.  المسيح هو نفسه سلامنا، ولهذا فهو قادر أن يقول لنا: أعطيكم سلامي.
أعطيكم سلامي:
ماذا فعل يسوع ليعطينا سلامه؟ لقد دفع الثمن بشخصه.  في الوقت الّذي كان يعدنا بسلامه خانه واحد من أصدقائه ليُسلَم الى أيدي أعدائه، وحُكم عليه بموت قاسٍ ومهين.  أسلم نفسه الى من يضمرون له شرّاً، وحمل أعباء الحقد والإنشقاقات حبّاً بنا، حطّم الجدران الّتي كانت تفصل بين الشعوب.  بموته على الصليب، بعد أن اختبر حبّاً بنا تخلّي الآب عنه، جمع الإنسان بالله والإنسان باخيه الإنسان، وجلب الى العالم الأخوّة الشاملة.
ومنّا أيضاً يتطلّب السلام حبّاً صلباً، قادر على محبّة حتّى من لا يبادلنا المحبّة، قادر على المغفرة، على الغاء مفهوم العداوة، وقادر على أن يحبّ الأوطان الأخرى مثل وطنه.  هي تريد أن تحوّلنا من أشخاص خمولين، مغلقين على مصالحنا الفرديّة وعلى عالمنا الخاص، الى أبطال صغار في حياتنا اليوميّة، يخدمون يوماُ بعد يوم إخوتنا وأخواتنا، ومستعدّون لإعطاء كلّ شيء، حتّى حياتهم، من أجلهم.
والسلام يتطلّب منّا أيضاً قلباً جديداً وأعيناً جديدة لنحبّ ونرى في الآخرين أعضاءاً في الإخوّة الشاملة.
ونطرح السؤال: "هل أرى أعضاء في هذه الأخوّة الشاملة أيضاً جيراني المزعجين جدّاً؟ ورفاقي في العمل الّذين يعترضون مسيرتي المهنيّة؟ من ينتمي لحزب آخر أو الى فريق كرة قدم منافس؟ لمن هم من ديانة أو من جنسية مختلفة؟
الجواب هو نعم، كلّ واحد منهم هو أخ لي وأخت.  والسلام يبتدئ هنا، في العلاقة التي أعرف كيف أبنيها مع كلّ قريب لي. "الشرّ ينمو في قلب الإنسان" كتب أيجينو جيورداني، "ولنزيل خطر الحرب، لا بدّ من إزالة روح العداوة والإستغلالية والأنانيّة التي منها نتشأ الحروب: يجب أن نعيد بناء الضمير".
سلامي أعطيكم:
كيف يمكن ليسوع أن يعطينا سلامه اليوم؟ يمكنه أن يكون حاضراً في وسطنا عبر محبّتنا المتبادلة، وعبر وحدتنا.  هكذا يمكننا أن نختبر نوره، وقوّته، وروحه نفسه، وثمار روحه هي المحبّة، الفرح، السلام.  السلام والوحدة يسيران معاً...
كيف نشهد لذلك السلام العميق الّذي يحمله يسوع المسيح إن لم تكن بيننا نحن المسيحيّين ملء المحبّة، وإن لم نشكّل قلباً واحداً وروحاً واحدة كما في جماعة المسيحيّين الأولى في أورشليم؟
العالم يتغيّر إذا تغيّرنا نحن.  من دون شكّ يجب أن نجهد، كلّ بحسب إمكانيّاته، لحلّ النزاعات، ولخلق قوانين تساعد على تعايش الأشخاص والشعوب، وبنوع خاصّ، حين نشدّد على ما يجمعنا، يمكننا أن نساهم في خلق عقليّة سلام وأن نعمل معاً من أجل خير البشريّة.
بشهادتنا للقيم الحقيقيّة وبالدفاع عنها، مثل قيم التسامح، الإحترام، الصبر، المغفرة، فهم الآخر، تلتغي تلقائيّاً الأعمال الّتي تتناقض مع السلام.
لقد كان هذا اختبارنا خلال الحرب العالميّة الثانية،حين قرّرنا، كمجموعة من الشابّات، أن نحيا فقط لنحبّ.  كنّا شابّات خائفات، إنّما ما أن أرغمنا أنفسنا أن نحيا الواحدة من أجل الأخرى، وأن نساعد الآخرين بدءاً بالأكثر حاجة، وأن نخدم الآخرين ولو على حساب حياتنا، وُلدت في قلوبنا قوّة جديدة، ورأينا أن المجتمع بدأ يتبدّل وجهه: لقد بدأت بالتكوّن جماعة مسيحيّة صغيرة، بذرة لحضارة المحبّة.  هو الحبّ الّذي في النهاية ينتصر، لأنّ الحبّ هو أقوى من كلّ شيء.
فلنحاول أن نحيا هكذا، لنكون خميرة حضارة سلام وعدالة.  هكذا نرى تنمو في داخلنا ومن حولنا إنسانيّة جديدة.




   

 

 



أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007