(نشرة المصباح – كانون الثاني 2008)
عديدةٌ هي الشخصيّات التي، بانطلاقها من بين أغصان رهبنتنا، حلّقت عالياً في سماء الرَّهبانيّة والكنيسة والوطن، بل العالم أجمع. ولا يَسلَمَنَّ التعرّفُ إلى أيةٍ منها، قبل التحدّث عن الذي كان وحبّةَ الخردل قبل أن كانت الشجرة الكبيرة؛ إنّه الغارس والسّاقي الأوّل، إنّه مؤسّس رهبنتنا: المطران عبدالله قراعلي.
هو عبد الأحد ميخائيل قراعلي، وُلد في 8 أيلول 1672، في مدينة حلب، ونشأ على العلم والتقوى ومحبّة المسيح، في كنف أسرة مارونيّة، نازحة من شمال لبنان. شَبَّ عبدالله وشَبَّتْ فيه سِماتُ الوداعة والحشمة والذكاء مع رغبته في عيش العبادة والفضيلة والوحدة. فبادرَ ويوسفَ البتن، بعد رفيقِهما جبرايل حوّا، إلى المجيء إلى جبل لبنان سنة 1694 قَصدَ الترهّب. بعد اختباره مع رِفاقه الطريقة الرُّهبانيّة المُعاشة في تلك الحقبة، سكن وإيّاهم دير مُرت مورا في إهدن، كي يجرّبوا الطريقة الرُّهبانيّة التي يصبون إليها، إذ وَجَد عبدالله رهبانَ البلاد سائرين بسذاجة صالحة للصالحين وخطرة لغير الصالحين.
في العاشر من تشرين الثاني سنة 1695، ألبس البطريرك إسطفان الدويهي عبدالله ورفاقه الإسكيم الرُّهباني، فتكوّنت إذ ذاك نواة رهبانيّة مارونيّة جديدة دُعيَت حلبيّة ثمّ لبنانيّة، والتي تفرّعت فيما بعد إلى المعروفَتَين اليوم بالرّهبانيّة اللّبنانيّة والرّهبانيّة المريميّة.
في عيد الصليب من سنة 1696، اقتبل عبدالله قراعلي درجة الكهنوت، وعُنِيَ بخدمته الرُّهبانيّة والكهنوتيّة بلا كلل، منكبّاً على الصّلاة والتعليم والتنظيم، وَعَنِيَ في تثبيت الرّهبان أشدَّ عناء، حتّى نَمَت الرَّهبانيّة وانتشرت مُستقيةً ثباتَها في طريق الكمال من مؤسّسها. فهو، وكما كتب عنه تلميذه الأب توما اللبودي، كان يعيش سيرة تقشّفٍ مستمرّة، يصلّي طوال ساعاتٍ في النهار والليل، آخذاً ليلاً قسطاً من الرّاحةِ، ليسَت بِراحةٍ، وهو جالسٌ حتّى منتصف اللّيل دون أن يسند ظهره إلى الحائط. كان يبالغ في الإماتات والأصوام ولا يتوانى بتاتاً في عمله وخدمته، فكان مفعماً من الله بالحكمة والتمييز والنّسك، محبوباً ومَهيباً مِن كلّ مَن يراه. سيمَ أسقفاً على أبرشيّة بيروت في 17 أيلول 1716، ولم يترك رهبانيّته إلاّ رغماً عنه، فظلّت محبّتها تملأ قلبه واستمرّ في جهوده لكي يضمن لها مستقبلاً آمناً. ولم يغيّر في سيرته الأسقفيّة من سيرته الرُّهبانيّة النّسكيّة التي كان يعيشها.
كان المطران قراعلي من أشدّ السّاعين إلى انعقاد المجمع اللّبنانيّ سنة 1736 وتنفيذ مقرّراته.
انتقل عبدالله قراعلي إلى الحياة الأبديّة في 6 كانون الثاني 1742 في زوق مصبح، تاركاً للرَّهبانيّة والكنيسة إرثاً لا يُقَدَّر بثمن، من سيرته وأعماله، وتآليفَ روحيّةٍ وطقسيّة وقانونيّة، ونشائدَ مريميّةٍ، للّتي كان يحلو له أن يدعوها "ستّ البيت".
أسمَعَنا اللهُ صدى الطّوبى الّتي نَوَّلَها عبدالله قراعلي، ورفَعَهُ للكنيسة والعالم قدّيساً يتمجّد به اسم الثالوث القدّوس، وأعطانا بشفاعة العذراء، نعمةَ "الأمانة لموهبة التّأسيس ووحي هذا المؤسّس" (إرشاد رسولي في الحياة المكرّسة، فقرة 36: الأمانة للموهبة، ص 63).
بقلم الأخ شربل بطيش المريميّ |