المطران عبدالله قراعلي في سطور

(1672 - 1742)

(للأب جورج ناصيف ر.م.م)

St Mathias القديس متّى
 

 

مقدمة

فتى ينعم بحبّ الأهل ودفء العائلة، حدَثٌ وديعٌ حسنُ المعشر، مراهقٌ محبٌّ للفضيلة والتقوى، شابٌ متحمّس دون تهوّر يرغب في نبذ العالم واتباع الرب يسوع، راهب مندفعٌ، مؤسّس ملتزم وأسقف مصلح. إنّه عبدالله قراعلي الذي عمل بلا كلل ولا تعب، بكلّ تفانٍ ومحبّة وعطاء، على تجديد الحياة الرهبانيّة في لبنان. وبكلّ اندفاع أغنى الكنيسة المارونيّة ورهبانيّته الناشئة والوطن بالتشريع والقوانين والتآليف الروحيّة والطقسيّة، كما كان من أكثر الساعين إلى عقد المجمع اللبنانيّ في دير سيّدة اللويزة سنة 1736، والذي قام بإصلاحات واسعة في الكنيسة المارونيّة، وكان من أكثر المتحمّسين لتطبيق مقرّراته.
أسطر قليلة مستوحاة من مئات الصفحات التي كُتبت عن هذا الرجل المميّز، ونبذة مختصرة، عن حياة عبدالله قراعلي، لن تكون مؤلّفاً علميّاً ولا مرجعاً أو دراسة تاريخيّة، بل هي محاولة بسيطة ومتواضعة لتتبّع خطواته منذ ولادته في مدينة حلب حتى وفاته في بلدة زوق مصبح، مروراً بوادي قاديشا وقنّوبين وصولاً إلى جبل لبنان، إنطلاقاً من مراجع تاريخيّة، تنقل ما كتبه هو عن نفسه في مذكّراته وما جمعه تلميذه الأمين القسّ توما اللبودي، وما ذكره المؤّرخ الشهير المطران جبرايل فرحات حول بدايات الرهبنة، بالإضافة إلى ما كتبه مؤرّخون معروفون كالأب لويس بليبل والخوري بولس قراعلي والأباتي بطرس فهد وغيرهم...

مولده ونشأته (1)

أبصر عبدالله النور في مدينة حلب في 8 أيلول سنة 1672، ودعي باسم عبد الأحد، في أسرة مارونيّة نازحة من شمال لبنان، من والدين غنيّين بالتقوى والجاه والمال، هما: ميخائيل عبدالأحد قراعلي (أو قرألي) وهيلانة إبنة الحاج يعقوب بركات، وقد رزقهما الله ابنتين وخمسة بنين.
تلقّى عبد الأحد تربية صالحة، محصّلاً من العلوم ما كان ممكناً في تلك الأيّام، ناشئاً على محبّة المسيح، جاهداً في تطبيق تعاليم الإنجيل على أكمل وجه.
لقد اقتبس مبادئ اللغتين السريانيّة والعربيّة في المدرسة المارونيّة في حلب، ثمّ أتقن آداب اللغة العربيّة وقواعدها في مكتب الشيخ سليمان النحويّ الشهير إلى أن بلغ الثانية عشرة من عمره. بعد ذلك، درس اللغة الإيطاليّة نزولاً عند رغبة والده الذي أراد أن يدفعه في سلك التجارة.
وعند بلوغه الرابعة عشرة، وكانت ظهرت عليه سمات الوداعة والحشمة وحسن المعشر والذكاء، أرسله أبوه ليتعلّم الصرف والنحو.
في السادسة عشرة، ظهر ميله إلى عيشة العبادة والفضيلة والوحدة، فكان يفكّر سرّاً في كيف يكون العمل لبلوغ مقصده، ولا أديار مارونيّة في مدينة حلب أو جوارها. فاجتهد آنذاك في التعمّق في تأمّلاته الروحيّة من خلال سيرة الآباء القدّيسين مثل أنطونيوس ومكاريوس وأرسانيوس ومطالعته المفضّلة لكتب "سلّم الفضائل" للقدّيس يوحنّا السلّمي (كليماكوس) و"بستان الرهبان" لآباء الكنيسة القبطيّة و"أباطيل العالم" للرّاهب الفرنسيسكاني ديدكس ستالّه، وكان له من بعض الرفاق الذين تعرّف إليهم في مكتب الشيخ سليمان النحويّ، أمثال جبرايل حوّا ويوسف البتن وجبرايل فرحات ، أكبر مشجّع على الإقتداء بأولئك الآباء بممارسة روحيّة عميقة.

-----------------------------------
1- عن "كتاب اللآلئ في حياة المطران عبدالله قرألي" للخوري بولس قرألي، القسم الأوّل، بيت شباب (لبنان)، 1932، ص: 5-8

دعوته الرهبانيّة

عند بلوغه الثامنة عشرة من عمره، تحرّك فيه الشوق مجدّداً إلى حياة الإنفراد والعبادة، وشعر أنّ الله يدعوه إلى حياة غير التي يريدها له والده، أي التجارة. فراح يبحث عن الوسيلة العمليّة التي تضمن له تنفيذ هذه الرغبة، فوجد أن لا بدّ من السفر إلى لبنان، موطن الرهبان العبّاد والمتوحّدين آنذاك في الشرق. لكنّ والده كان يمانعه خوفاً عليه لجهله أحوال الناس في تلك البلاد وقساوة الغربة. وبقي معذّباً بأفكاره، تارةً يفتح قلبه للعالم وملاهيه وينسى الرهبنة، وطوراً يسمع في باطنه صوتاً خفيّاً يدعوه إلى غاية أسمى، ما جعله ينكبّ على الدرس ومطالعة الكتب المقدّسة وسير القدّيسين...
وإذ كان لا يزال يتردّد أمام الصعوبات التي ظهرت له جمّة، وقع في مرض عضال أوصله إلى حافّة الموت، فانفتحت عيناه على الآخرة ورأى أنّ الرهبنة هي الطريق الآمنة التي توصله إلى السعادة الحقيقيّة، فصمّم حينئذٍ على هجر الأهل والوطن والسفر إلى لبنان لتحقيق دعوته.
لكنّه تريّث أيضاً ثلاث سنوات، اندفع في أثنائها، مع الرفاق الذين ذكرنا آنفاً، وراء تحصيل الفلسفة واللاهوت والشرع وفروعها على الخوري بطرس التولاوي الشهير.
وإذ لاحظ يوماً في رفيقه جبرايل حوّا، الذي يزيده بالعمر 4 سنوات، ميلاً إلى الحياة الرهبانيّة، أطلعه على ما في قلبه، فقرّر الإثنان المبادرة إلى استئذان الأهل وتذليل ما تبقّى من صعوبات.

إنتقاله الى لبنان واختبار الحياة الرهبانيّة في أدياره

حصل جبرايل حوّا على إذن والده توما بالسفر إلى لبنان، والذي أشار عليه بأن يمضي إلى طرابلس ومعه بضاعة بحجّة أنّه ذاهب للتجارة فيطّلع ويستكشف تلك النواحي، فإن أمكنه المكوث والثبات، فله أن يبقى، كونه مطلق الإرادة في ذلك.
أمّا عبدالله، وإذ كان محطّ آمال الأسرة وكان والداه متعلّقين به جدّاً، خصوصاً بعد مرضه، فقد مانعاه من المجيء إلى لبنان بحجّة شظف العيش وضعف صحّته ووهن جسده. لكن، بعد إلحاحه وتوسّلاته، كان القرار أن يذهب لزيارة الأراضي المقدّسة أوّلاً ثمّ يرجع عبر البحر الى جبل لبنان، فإن طاب له المقام هناك يمكنه البقاء، وإلاّ يرجع إلى بيته كمن حجّ ورجع.
وهكذا سافر جبرايل حوّا نحو جبل لبنان في أوّل تشرين الأوّل 1693. ثمّ، في الصيام الكبير سنة 1694، لحق به عبدالله عن طريق القدس يرافقه يوسف البتن الذي طلب الإنضمام إليهما بعد أن علم بقصدهما في الترهّب. والتقى الثلاثة في زغرتا يوم عيد الجسد الإلهيّ، وصعدوا إلى الكرسيّ البطريركيّ في قنّوبين، وعرضوا رغبتهم في الترهّب على البطريرك إسطفانوس الدويهي ملتمسين بإلحاح مشورته وبركته. فأجابهم أوّلاً هازئاً: "أنتم أناس ذوو تنعّم، وعيش الجبال قشف، والحروب في البلاد وسفك الدماء متواصل. هل يمكنكم احتمال هذا، وإكمال مطلوبكم؟ والحال أنّكم عاجزون عن شغل الفلاحة والزراعة، وأنتم ناظرون إلى عيش الرهبان وسيرتهم في هذه البلاد"(2) . فأبدوا رغبتهم واستعدادهم، وأضافوا أنّ مرادهم هو إعداد قانون من رسوم الآباء أنطونيوس وباسيليوس وغيرهم وإنشاء طريقة رهبانية لهم ولمن يأتي من بعدهم. فصفّق البطريرك ضاحكاً، لكنّه عاد فانعطف إلى مطلبهم بشرط أن يختبروا أوّلاً بأنفسهم طريقة عيش رهبان البلاد ويختاروا الدير الذي يلائمهم.
بعد ذلك، وفي حين فضّل جبرايل حوّا البقاء في قنوبين، لبّى عبدالله قراعلي مع رفيقه يوسف البتن، بعد موافقة أخيهما جبرايل حوّا، دعوة المطران جبرايل البلوزاوي، أسقف حلب ومنشئ دير سيّدة طاميش، وذهبا إليه لكي يختبرا في ذلك الدير طريقة عيش رهبانه. وهناك مكثا حوالى ثلاثة أشهر. فوجدا طريقة عيشهم وترتيبهم كباقي رهبان البلاد في تلك الحقبة، أي أنّهم لا ينذرون النذر الرهبانيّ، إنما يلبسون الزيّ الرهباني في أيّ يوم يُتّفق عليه حسب رأي المتقدّم في الدير. وكان التزامهم بنذورات الرهبنة بشكل تسليم ومفهوم العقل فقط من غير إقرار النيّة. وعلى الغالب كان المطارنة هم الذين يُلبسون الإسكيم للرهبان الجدد لا رؤساء الأديار، فقد كانت الأديار المارونيّة قبل التنظيم الرهبانيّ سنة 1695 تحت سلطة الأساقفة، وليس لأي دير صلة بالآخر عملاً بالنظام الرهبانيّ القديم. وكانت الأديار مختلطة، الراهبات تسكن بجوار الرهبان، والكنيسة مشتركة بينهم، وإدارة المطبخ وغسل الثياب والخياطة بيد الراهبات. فكانوا سائرين بسذاجةٍ صالحةٍ للصالحين وخطرةٍ لغير الصالحين.(3)
إستهوتهما حياة أولئك الرهبان القشفة، فمال خاطرهما للسكن عندهم شرط أن يُخرج المطران جبرايل البلوزاوي الراهبات من الدير، آملين التوصّل عن طريق المثل الصالح، إلى إدخال الحياة النظاميّة إليهم. وإذ لم يقبل المطران بفصل الراهبات عاد عبدالله إلى دير قنّوبين.
وفي أواخر سنة 1694 صار في بلاد الجبّة (منطقة بشرّي) خوف من الحكّام، فخرج البطريرك إسطفان الدويهي من قنّوبين وجال في بلاد البترون وجبيل يزور القرى، فرافقه عبدالله وجبرايل منتهزين الفرصة لزيارة أديار تلك المناطق والوقوف على أوضاعها لعلّها توافقهم للسكن فيها. وبعد انضمام يوسف البتن إليهما مجدّداً، استقرّ رأيهم في شهر أيلول سنة 1695 بأن يسكنوا دير مارت مورا في إهدن، نزولاً عند رغبة البطريرك اسطفان الدويهي ويجرّبوا الطريقة الرهبانيّة التي يصبون إليها والتي لم يجدوها في أديار لبنان القديمة. وكان هذا الدير مهدوماً، فشرعوا في إعادة بنيانه.

--------------------------------
2- عن "سيرة الأب عبدالله قراعلي"، بقلم الأب توما اللبودي، بدايات الرهبانية اللبنانية، سلسلة التراث الماروني- رهبانيات (1)، الكسليك- لبنان، 1988، ص: 78
3- "مذكّرات الأب عبدالله قراعلي"، بدايات الرهبانيّة اللبنانيّة، سلسلة التراث المارونيّ- رهبانيّات (1)، الكسليك- لبنان، 1988، ص: 27

تأسيس رهبانيّة جديدة

في تلك الأثناء، سام البطريرك اسطفان الدويهي كلاًّ من جبرايل حوّا وعبدالله قراعلي شمّاساً إنجيليّاً، ثمّ في اليوم التالي سام جبرايل حوّا وحده كاهناً بحضور أهله الذين كانوا أتوا من حلب لزيارته.
ولمّا كان العاشر من شهر تشرين الثاني سنة 1695 ألبسهما البطريرك اسطفان الدويهي نفسه مع رفيقهما يوسف البتن، الإسكيم الرهبانيّ على الطريقة الرهبانيّة القديمة بينما كانوا ملتجئين إلى دير سيّدة قنّوبين خوفاً من الطائفة الحماديّة، حاكمة البلاد في حينه. وبعد لبس الإسكيم اجتمعوا وحدهم وأقاموا القَسّ جبرايل حوّا رئيساً عليهم، مؤلّفين هكذا نواة رهبانيّة جديدة دُعيت "حلبيّة" نسبة إليهم.
في ربيع السنة التالية، أي سنة 1696، وإذ رأوا من الأوفق لهم أن يمتلكوا موضعاً دافئاً لفصل الشتاء، قبلت هذه الرهبانيّة الجديدة من أهالي بشرّي دير مار أليشاع في الوادي المقدّس. فنقل إليه الرئيس جبرايل حوّا البعض من الرهبان الجدد مع الشمّاس يوسف البتن بمنزلة رئيس عليهم في غيابه، لأنّه احتفظ هو لنفسه بإدارته، ووكل دير مارت مورا إلى عبدالله قراعلي الذي كان اقتبل درجة الكهنوت في عيد الصليب من السنة نفسها من يد مطران إهدن جرجس يمّين. فكان الأب عبدالله، بالإضافة إلى أعمال الإدارة، يعلّم أحداث البلدة بنفسه أصول القراءة والكتابة والتعليم المسيحيّ، قرب الدير تحت شجرة جوز. ولمّا حلّ فصل الشتاء نزل أهالي إهدن إلى زغرتا كالعادة، فنزل الأب عبدالله معهم ليعلّم الأولاد في مدرسة مار يوسف في البلدة المذكورة. وهي المدرسة نفسها التي أقام فيها، فيما بعد، القَسّ جبرايل فرحات للغاية عينها، وكان قد لحق برفاقه من حلب سنة 1696.
سنة 1697، انتقل الأب عبدالله قراعلي إلى دير مار أليشاع نزولاً عند رغبة الأب جبرايل حوّا لكي يهتمّا معاً بإعداد القانون وترتيبه. فجمعا كتاباً قسماه إلى اثنين وعشرين باباً، وحدّدا فيه شكل إدارة الرهبانيّة الجديدة ومفهوم النذور وكيفيّة سلوك الرهبان. وقرّرا إقامة أربعة مدبّرين يختارهم أعضاء الرهبانيّة ليشتركوا مع الرئيس العامّ في تدبيرها وفي تعيين رؤساء الأديار. وحُدّدت مدّة الرئاسات بثلاث سنوات ينعقد في نهايتها المجمع العام في العاشر من تشرين الثاني، تذكاراً لليوم الأوّل من تأسيس الرهبانيّة.
وبذلك انعقد المجمع العام في هذا التاريخ من سنة 1698 فثبّت القسّ جبرايل حوّا في الرئاسة العامّة وأقام أربعة مدبّرين كان عبدالله قراعلي وجبرايل فرحات ويوسف البتن من جملتهم. وعُيّن القسّ عبدالله رئيساً على دير مار أليشاع، فظهر "رجلاً مفعماً من الله حكمة وإفرازاً ونسكاً، ذا عقل ثاقب وعلم راسخ، فصيح اللسان، بليغ المعاني، محبوباً من كلّ من يراه". (4)
إلاّ أن خلافاً نشأ تلك السنة بين الأب عبدالله، ومعه أكثر الرهبان، وبين الأب جبرايل حوّا الرئيس العامّ، على "معنى سيرة الرهبنة" و "مفهوم وظيفة المدبّرين". فالرئيس العامّ جبرايل حوّا يريد الرهبانيّة للوعظ والتبشير ورئاستها مطلقة ومؤبّدة، على مثال الآباء اليسوعيين، والأب عبدالله وأغلبيّة الرهبان استمرّوا على رأيهم، فهم يريدونها نسكيّة، تأمليّة، لا تتعاطى أعمال الرسالة إلاّ عند الحاجة وقدر الإمكان وذات رئاسة موقّتة وتُبقي على وظيفة المدبّرين. فتعاظم التوتّر وكادت تتفكّك أوصال الرهبانيّة الناشئة. ولم ينته الخلاف إلاّ بتنحية القسّ جبرايل حوّا عن الرئاسة العامّة وإسنادها إلى القسّ عبدالله في مجمع عامّ، عقده الرهبان قبل الأوان سنة 1700 من دون استشارة الإثنين.
بعدها قبل الرئيس العامّ الجديد الأب عبدالله قراعلي أمر البطريرك بقسمة الرهبانيّة بينه وبين سلفه الأب جبرايل حوّا، الذي أُعطي دير مارت مورا، ثمّ خُيّر الرهبان بينهما. وبقي القسّ عبدالله في دير مار أليشاع يرعى الرهبانيّة بعناية أبويّة.
وبعد عدّة محاولات لدى البطريرك اسطفان الدويهي، حصل الأب العامّ عبدالله قراعلي أخيراً على تثبيت القوانين في 18 حزيران سنة 1700، بعد أن حوّرها واختصرها في خمسة عشر باباً. وهكذا أبرز الرهبان نذورهم الرهبانيّة بموجبه امتثالاً لرغبة أبيهم الأب عبدالله، وكانوا اثني عشر ما عداه.

--------------------------------
4- من "سيرة الأب عبدالله قراعلي"، بقلم الأب توما اللبودي، بدايات الرهبانيّة اللبنانيّة، سلسلة التراث المارونيّ- رهبانيّات (1)، الكسليك- لبنان، 1988، ص: 81

نموّ الرهبانيّة الجديدة وانتشارها

ومنذ ذلك الحين راحت الرهبانية الجديدة تزدهر ثابتة في طريق النموّ والكمال، فأقبل إليها الشبّان من كلّ مكان، من لبنان وخارجه، من حلب ودمشق ومصر وبيت لحم، كما يُستنتج من سجلاّت الرهبانيّة. ولم يكونوا من الموارنة فقط، بل من السريان والأرمن والروم والأقباط واليهود واللاتين.
وإذ ضاق بهم دير مار أليشاع وتعذّر توسيعه، فكّر الأب عبدالله بفتح أديار جديدة في مناطق أخرى. وجاء اضطهاد الحماديين لمنطقة الجبّة وأديارها، يحثّه على الإسراع في تحقيق ذلك، فاستلم من سنة 1706 الى سنة 1712 الأديار التالية:
دير مار يوحنّا – رشميّا، سنة 1706؛ دير مار أنطونيوس – سير(قرب رشميّا)، سنة 1707؛ دير سيّدة اللويزة- زوق مصبح، سنة 1707؛ دير مار أنطونيوس قزحيّا – في الوادي المقدّس، سنة 1708؛ دير مار بطرس ومرشللين – روما، سنة 1707، الذي بقي الرهبان فيه حتى سنة 1753، إذ وبسبب موقعه ولأسباب صحيّة، وبموافقة البابا أكليمنضوس الثاني عشر، إنتقلوا الى دير مار أنطونيوس الكبير في ساحة مار بطرس في السلاسل؛ دير مار بطرس وبولس كريم التين – بيت شباب، سنة 1712.
وكلّما أراد إستلام دير جديد، كان الرئيس العامّ الأب عبدالله، يقوم باستشارة المدبّرين، ثمّ يطلب من واقفي الدير إثباتات شرعيّة تضمن للرهبانيّة حريّة التصرّف به وبأرزاقه. بعدها يقوم بتوسيعه وتأثيثه وتعيين الرئيس والرهبان الذين سيسكنون فيه. ويتابع الإشراف عليه شخصيّاً قدر الإمكان إلى أن يتأكّد من أنّ سكّان هذا الدير أصبحوا قادرين على القيام وحدهم بكلّ ما تفرضه القوانين والأنظمة اليوميّة.
ثمّ كان هو أول من قصد حلب سنة 1699 لجمع الإحسانات والمساعدات وسدّ العجز في ميزانيّة الرهبانيّة والقيام بمشاريعها الجديدة وكلّف بعده لهذه المهمّة القسّ جبرايل فرحات ثمّ بعض الرهبان.
وكانت الزراعة أيضاً من الأسس المتينة التي استندت إليها الرهبانيّة. فكان كلّما ضمّ ديراً إلى أملاكها طلب من الرهبان إصلاح الأراضي الموقوفة إليه، وعندما تتّسع أملاك دير ما، وتزيد عن مقدرة رهبانه، سلّمها إلى شركاء علمانيين يعنون بها ويقاسمون الدير منتوجاتها. فأصبح كلّ دير مع شركائه مزرعة قائمة بذاتها.
ولمّا كان الحلبيّون من أمهر صنّاع الشرق، فقد استخدم مؤسّس الرهبانيّة مواهبهم لفائدتها. فأصبح لدى الرهبانيّة، فضلاً عن المزارعين، الفرّانين والطبّاخين والبنّائين، وما يتبع فنّ البناء من المهن كالتبليط والتكليس والنجارة والحدادة والسنكرة. وكانت هناك فئات تشتغل في الحياكة والتطريز والصباغة والخياطة والسكافة والطبّ والجراحة والنقش والتصوير. ناهيك عن فئة أخرى اختصّت بنسخ وتجليد الكتب البيعيّة والدينيّة والمدرسيّة اللازمة لكنائس الرهبانيّة ومدارسها وأديارها. وكان الرهبان يقيمون بأيديهم الجسور والعبّارات على الأنهر القريبة من أديارهم، فضلاً عمّا يشيدونه من الكنائس والأديار.

سيرة الأب عبدالله قراعلي الرهبانيّة والروحيّة

أ- شخصيّته حسب تلميذه توما اللبودي

إجتهد الأب توما اللبودي، الذي كان تلميذ الأب عبدالله قراعلي، بجمع كلّ ما يتعلّق بمؤسّس الرهبانيّة، نستخلص منها أهمّ النقاط التي أوردها حول سيرة حياته الرهبانيّة والروحيّة.
ولكن لا بدّ من أن نتوقّف أوّلاً عند وصف شكله الخارجيّ الذي به عرّفنا الأب توما اللبودي إلى معلّمه الأب عبدالله قراعلي، قال: "إنّ شكله لم يكن جميلاً فقد كان أسمر اللون رقيق الجسم، ذا رأس كبير، ووجه أنكش مستطيل، ولحية خفيفة سوداء. ناتئ العينين، عريض الجبهة، طويل القامة ممشوق أكثر ممّا هو لازم. طويل اليدين رقيقهما، طويل الأنامل. وكان معبّساً عبوس الفرح والإحتشام".(5)
* سلوكه في الرهبنة كتب الأب توما اللبودي عن معلّمه عبدالله قراعلي، أنّه كان يعيش سيرة تقشّف مستمرّة فقد أقام لنفسه عرزالاً من عيدان الحطب والقشّ ينام عليه من غير فراش مع ما يسبّبه ذلك من الإزعاج والأوجاع، واستمرّ كذلك مدّة سنتين؛ وكان غطاؤه يدفئ لا غير. أما من جهة صلواته العقليّة، فكان يصلّي ساعة ونصف بعد صلوات الفرض، وساعة عند المساء. وبعد ذلك يأخذ قسطاً من الراحة، وهو جالس، حتى منتصف الليل. في البداية كان يسند ظهره إلى الحائط قليلاً، لكنّه امتنع عن ذلك فيما بعد. وكان عند قرع الناقوس يسبق الرهبان إلى الكنيسة. ومتى اجتمعوا كلّهم يبدأ الصلاة بكلّ هدوء وخشوع وتأنٍّ.
بعد نهاية صلاة الليل، كان الرهبان يعودون إلى قلاليهم، أمّا هو فيظل في الكنيسة منتصباً للصلاة أمام المذبح لغاية صلاة الصباح، تارةً جاثياً وطوراً واقفاً، وأحياناً ينكبّ على وجهه ويرشّ التراب والرماد على رأسه.
ولكثرة المطانيات (السجدات) التي كان يقوم بها في الكنيسة ليلاً، تكلكلت ركبتاه وأصابعه التي كان يستند إليها للسجود. ولمّا كان يخرج من الكنيسة، يدخل قلاّيته من بابها السرّي كي لا يلفت الأنظار إلى الأوقات الطويلة التي كان يقضيها في الكنيسة.
ومن حيث الإماتات والأصوام كان يمنع نفسه عن كلّ شيء يعرف أنّه يتلذّذ به. وكان يأكل كلّ أربع وعشرين ساعة مرّة واحدة في العشاء، ويجتهد في قمع جسده وضبط حواسّه بنوع شديد.
أصيب مرّة بمرض خطير، وكان في دير مار أليشاع في بشرّي. وعندما أحضروا له طبقاً من الأرزّ المطبوخ بالسمنة واشتمّ رائحته، رفض تناوله متحجّجاً بكثرة دسمه وصعوبة الهضم.
وكان يزيد تقشّفه يوماً بعد يوم حتى أصبح يصوم يومين، ولماّ رأى أنّ بعض الرهبان يرغبون في الإقتداء به، اهتمّ بتنظيم أوقات الصوم لهم حسب مقدرة وطاقة كلّ واحد.
وبلغ من قمع جسده حدّاً من الضعف، حتى أنّه أراد يوماً أن يرفع بيديه مقدار ثلاثة أرطال فلم يستطع. ما دفع بعض الرهبان، من خوفهم عليه، إلى أن يكتبوا إلى البطريرك يعقوب عوّاد ليمنعه من الصيام يومين، فأطاع أمر السيّد البطريرك، ولكنّه استبدل ذلك بتقشّف أكثر صرامة حتى ندم الذين قدّموا العريضة وتمنّوا لو بقي على صيامه.
وكان يهتمّ شخصيّاً بالتنشئة الروحيّة والرهبانيّة للمبتدئين، آخذاً بعين الإعتبار مستوى ومقدرة كلّ واحد بمفرده، فيتمكّن الجميع من فهمه والإرتواء من معينه الروحيّ.
ورغم ما عرفه عنه معاصروه وتلاميذه من أنّه كان عصبيّاً، عنيداً برأيه، فقد كان يتصرّف بوداعة وطول أناة. وإن ظهرت له حقيقة خطئه في أمر ما، كان يرجع عن هذا الخطأ، ويقرّ معترفاً بكلّ تواضع. وهذا ما حدث أكثر من مرّة عندما كان المدبّرون يقرّون رأياً مخالفاً لرأيه في أمور يعتبرونها لخير الرهبانيّة، فكان يطأطئ رأسه خاضعاً لقرارهم بارتياح.
*علاقته بالحكّام وبالشعب
ويضيف الأب توما اللبودي أنّ الأب عبدالله قراعلي كان مفعماً من الله بالحكمة والتمييز والنسك، ذا عقل ثاقب وعلم راسخ، فصيح اللسان بليغ المعاني محبوباً من كلّ من يراه؛ وحيثما حلّ كان يهابه الجميع بكلّ اعتبار.
حتى آل حمادة الذين كانوا يحكمون منطقة الجبّة (بشرّي) في تلك الأيّام، كانوا يقدّرونه مع رهبانه حقّ تقدير، ويصدّقونهم في كلّ شيء، معتبرين أنّ هؤلاء الرهبان، وعلى رأسهم الأب عبدالله قراعلي، لم يتكلّموا كذباً ولا كلاماً واهياً.
ونرى من المفيد أن نورد خبراً من بين أخبار عديدة رواها تلميذه الأب توما اللبودي، يظهر لنا فيه كم كان الأب عبدالله قراعلي شفوقاً على القريب رحوماً وشديد الإتكال على العناية الإلهيّة. ففي إحدى السنين ارتفعت الأسعار في مدينة طرابلس وجبّة بشرّي وسائر أنحاء البلاد، وبلغ كيل القمح سبعة قروش، هذا إن وُجد. وكان عدد الرهبان في دير مار أنطونيوس قزحيّا أربعين بالإضافة إلى ثمانية أجراء ومكارين واثني عشر راعياً وثلاثة عشر عاطلاً عن العمل من ذوي العاهات الذين كانوا يعيشون جميعهم ممّا يقدّمه لهم الدير؛ فضلاً عن عدد كبير من الضيوف والزوّار الذين يأتون يوميّاً إلى الدير، وأغلبهم لشدّة الجوع طالبين الطعام. وفي حين بلغ مصروف الدير اليوميّ من القمح كيلين ونصف الكيل، كان مخزون الدير المتبقّي مئة وخمسين كيلاً. وقد بقي لموسم القمح الجديد سبعة أشهر. فتشاور البعض من الرهبان وطلبوا من الأب عبدالله قراعلي أن يصرف هؤلاء العاطلين عن العمل وذوي العاهات لقلّة القمح في الدير. فمانعهم قائلاً: "إذا طردنا هؤلاء المساكين فمن أين يعيشون لأنّ دير قنّوبين خراب ولا أحد يطعم فقيراً في هذه الأيام الصعبة، فيموت هؤلاء جوعاً بلا محالة. والإله الذي يقيتنا على المذابح ما هو قادر أن يُقيتنا ويُقيتهم؟ فالقمح الموجود نأكله وإيّاهم". (6)
ولم يكتفِ بذلك، بل أرسل وكيل الرهبنة ليشتري لكلّ واحد من هؤلاء المعوّقين كسوة كاملة. فكانت كميّة القمح كافية للجميع لغاية بدء الموسم الجديد. ولكي يحول دون وقوع الرهبان في رذيلتي البخل والأنانية والطموح إلى عيش اليسر والرفاهيّة، أوجب عليهم أن يشركوا الفقير واليتيم والشارد والعاطل عن العمل فيما يوفّرونه من عملهم. فعيّن في أغلب الأديار منازل منفصلة عنها، يُدخل إليها بأبواب خارجيّة تُعرف "بالمنازيل"، يأوي إليها، فضلاً عن الضيوف، أصحاب العاهات والفقراء، من دون تمييز في الجنس والمذهب، وبصورة مستديمة. وكان يكلّف رهبانه خدمتهم. وقد حتّم على كلّ دير العناية بتربية ثلاثة أو أربعة أيتام، فيطعمهم ويكسوهم ويهذّبهم ويعلّمهم.

ب- النذر الرابع وتغيير إسم الرهبانيّة

يخبر المطران جرمانوس فرحات في تاريخ الرهبانيّة أنّه في السنة 1705 انعقد المجمع العامّ وثبّتوا القسّ عبدالله قراعلي رئيساً عامّاً. وفي هذا المجمع بالذات أُثبتت صورة النذورات الأربعة، ونذروا كلّهم النذر الرابع، وهو نذر التواضع أي إنّهم لا يقبلون رئاسة إلاّ عند إلزام من له الحكم عليهم.
وعندما شعر الأب عبدالله قراعلي بأنّ بعض الرهبان لا يستحسنون إسم الرهبانيّة المدعوّة منذ تأسيسها "بالرهبنة الحلبيّة" لكثرة الحلبيين فيها وتأسيسها منهم، استصوب أن يدعوها "الرهبنة اللبنانيّة" وبالتالي دُعي رهبانها "باللبنانيين" نسبة إلى جبل لبنان. وفي سنة 1707 طلب من البطريرك أن يسمّيهم باللبنانيين، فارتضى وصار يكاتبهم بهذا الإسم.

ج- الحدس والبصيرة

تميّز الأب عبدالله قراعلي بفضائل ثلاث هي: الصلاة التي كان يقوم بها بمثابرة واجتهاد متواصل، والسهر إذ كان يقضي معظم لياليه في الصلاة ويرقد وهو جالس من دون أن يسند ظهره، والصوم المتواصل فلا يأكل إلاّ مرّة واحدة في النهار. فمنحه الله موهبة معرفة بعض الأمور المزمعة أن تحدث. وتلميذه الأب توما اللبودي رأى بنفسه بعضاً من هذه الأمور. فيخبر عن معلّمه الذي كان يصلّي في إحدى المرّات وشعر بحزن شديد، وقد رأى، وهو بين اليقظة والنوم، شبه شهب نار في قلاّيته، فعاد إلى الكنيسة ليصلّي، وقد عرض هذا الموضوع على أحد الرهبان. وهذا ما حدث فعلاً، إذ أتاه خبر بعد يومين من أحد الأديار، فلولا عناية الله وصلاة الأب قراعلي، لصارت سقطة عظيمة لأحد الرهبان الذي أتى إليه شخصياً، ممجّداً الله الذي أنقذه من السقوط ولم يسمح بأن تكتمل التجربة.
ويخبر الأب توما اللبودي حادثة ثانية جرت معه شخصيّاً، إذ أرسل الأب عبدالله قراعلي طالباً منه المجيء إليه بعد صلاة الستّار، وأخبره أنّه في همّ وقلق كبيرين قائلاً له: "يا توما الرهبنة قادمة على تجربة عظيمة بخسائر بليغة. ولكن أنا مستصعب واحدة أن في هذه التجربة موت رهبان قتلاً، وأنا فكرتي لئلاّ تكون أنت واحداً منهم".(7) وطلب منه أن لا يفارقه لأنّه خائفٌ عليه.
وبعد المجمع العامّ الذي عقد في تشرين الثاني سنة 1714، نزل الأب توما اللبودي إلى طرابلس لشراء بعض الحاجيّات، فأتاه خبر عن سقوط صخرة ضخمة جدّاً على دير مار أنطونيوس قزحيّا بسبب الأمطار الغزيرة، ومقتل بعض الرهبان تحت الركام. وقد قتل في هذه الحادثة القسّ يوسف البتن، أحد مؤسّسي الرهبنة، والأخ روفائيل الحاقلاني من زوق مصبح. فعاد حالاً إلى الدير، وتوجّه ليرى الأب عبدالله قراعلي، وإذ رآه هادئاً غير مضطرب، إستمع إليه يخبره عن تفاصيل هذه التجربة التي سبق له وشعر بها في نفسه، وما حدث لحظة سقوط الصخور على الدير.

د- رغبته في التنسّك

رمّم الرهبان محبسة مار بيشاي سنة 1712، وسكنها العديد من الرهبان تحت طاعة رئيس دير مار أنطونيوس قزحيّا. ومن الرهبان الذين تنسّكوا في هذه المحبسة كان القسّ جبرايل فرحات. لكنّ رغبة القسّ عبدالله قراعلي في اللحاق برفيقه لم تتحقّق. فعندما عقد المجمع العامّ في تشرين الثاني سنة 1714، حاول الأب عبدالله قراعلي إقناع جمهور الرهبان بأن يقيموا رئيساً عامّاً غيره، لأنه كان يرغب في الذهاب إلى المحبسة في عربتا مقابل دير مار أنطونيوس، واعداً أنّه، ولو من المحبسة، لن يتخلّى عن الإهتمام بإرشادهم وإرشاد رؤسائهم في القانون. وبعد رمي القرعة لم يظهر غير إسم القسّ عبدالله إلاّ ورقة واحدة بيضاء وهي ورقته. وأصرّ الرهبان برأي واحد على أنّه لن يكون لهم رئيس غير الأب عبدالله ما دام على قيد الحياة، والربّ الذي دبّرهم لغاية الآن يمكنه أن يدبّرهم بعد غيابه.

--------------------------------
5- عن "سيرة الأب عبدالله قراعلي" بقلم الأب توما اللبودي، بدايات الرهبانيّة اللبنانيّة، سلسلة التراث المارونيّ- رهبانيّات (1)، الكسليك- لبنان، 1988، ص:81
6- المرجع نفسه، ص: 88-89
7- المرجع نفسه، ص: 167

الراهب الأسقف

يخبر الأب عبدالله قراعلي في مذكّراته أنّه في الأوّل من أيلول سنة 1716، وصل أمر من المجمع المقدّس بإبطال قانون الرهبنة الجديدة، والرجوع إلى قانون الرهبان الموارنة القديم، لأنّ القانون الجديد وُضع بغير إذن الرؤساء. فكتب الأب عبدالله قراعلي جواباً إلى روما مدعوماً بصورة عن التثبيت الذي منحه البطريرك إسطفان الدويهيّ للرهبنة في 18 حزيران سنة 1700، يظهر فيه عدم صحّة ما ورد وعدم وجود قانون قديم للرهبان الموارنة. وتوجّه لمقابلة البطريرك يعقوب عوّاد في دير مار شلّيطا- مقبس (غوسطا- كسروان) وعرض عليه القضيّة مدافعاً عن الرهبنة وقوانينها. فكشف له البطريرك عن رغبته في سيامته أسقفاً كشرط للدفاع عنهم في روما، فاستمهله الأب عبدالله قراعلي عدّة أيّام. ولكن، بعد إصرار البطريرك وإلحاح مشايخ آل الخازن في عجلتون، وبعد أن استشار الأب عبدالله قراعلي أصحاب الرأي من الرهبان وغيرهم، رضخ للأمر وسيم أسقفاً في كنيسة عجلتون في 17 أيلول سنة 1716 على أبرشيّة بيروت من يد البطريرك المذكور. وأقيم القسّ جبرايل فرحات رئيساً عامّاً على الرهبانيّة بدلاً منه.
وإذ لم يكن له كرسيّ أسقفيّ، كان يقيم في أديار الرهبانيّة، ولا سيّما في دير سيّدة اللويزة الذي كان ضمن نطاق أبرشيّته. وكان إذّاك يعيش عيشة رهبانيّة، يطيع الرؤساء العامّين الذين أقيموا بعده، غير متميّز عن الرهبان إلاّ بثوبه البنفسجيّ. وفي حياته الأسقفيّة لم يغيّر من سيرته التي كان يسيرها في الرهبانيّة إلاّ ما كانت تقتضيه أعماله الرعائية وما اضطرته إليه صحّته الضعيفة والطاعة للبطريرك. فصار في نومه يتكئ رأسه إلى الوسادة بدلاً من أن ينام جالساً، إنّما لابساً ثيابه بموجب القانون. وصار يأكل اللحم أحياناً، لأنّ الغيورين على صحّته، أخبروا البطريرك وطلبوا منه أن يلزمه بذلك. ومع هذا كلّه، فجميع الذين كانوا يراقبونه، كانوا يرون كم كان أكله قليلاً ومتقشّفاً. وربّما كان هذا من أسباب ضعف جسده ومرضه عند زيارته الأولى إلى رعيته، حيث يُخبر تلميذه الأب توما اللبودي قائلاً: "وفي ذلك الحين كان زمان زيارة الرعيّة التي ارتسم عليها، فأراد البطريرك أن يطلع معه إلى قرية بسكنتا ليزور تلك الرعيّة... فحين انوجدوا في بسكنتا مرض عبدالله واستدام مرضه أنوَف من أربعين يوماً طريح الفراش..."(8)
لم يترك المطران عبدالله قراعلي رهبانيّته إلاّ رغماً عنه. لذلك ظلّت محبّتها تملأ قلبه، واستمرّ في جهوده لكي يضمن لها مستقبلاً آمناً. فعندما ماطل البطريرك يعقوب عوّاد بالكتابة إلى روما من أجل الرجوع عن قرار إلغاء قانون الرهبنة كما ورد سالفاً، كتب عبدالله قراعلي منفرداً إلى الكرسيّ الرسوليّ، مبيّناً بالوثائق براءته ورهبانيّته من تهمة استحداث قانون جديد للرهبان الموارنة وإلغاء القانون القديم من دون علم السلطة الكنسيّة، فاقتنعت روما واسترجعت قرار الإلغاء. ثمّ سعى بعد ذلك، لتثبيت القانون من الكرسيّ الرسوليّ نفسه لكي يضمن السلامة لرهبانيّته، فتمّ له ما أراد بفضل جهود الإدارة العامّة في الرهبانيّة. فأصدر البابا أكليمنضوس الثاني عشر في 31 آذار 1732، براءة التثبيت الرسوليّة لقوانين الرهبانيّة. ومنذ ذلك الحين أصبحت الرهبانيّة ذات حقّ حبريّ، أي ترتبط مباشرة بالكرسيّ الرسوليّ في روما.
أمّا في رعيّته، فقد ظهر المطران عبدالله قراعلي كالراعي الصالح الذي يسهر على نفوس أبناء الرعيّة، وكان الأب المحبّ الفاضل، يؤنّب ويهذّب ويرشد، يساوي بين أولاده حاملاً الكبير على إعانة المسكين، والغنيّ على مساعدة الفقير والأرملة. كما كان القاضي النزيه، لا يحابي، ثابتاً في الحقّ إلى درجة العناد. وقد بلغ من ثقة الجميع به أنّ المسلمين والدروز كانوا يلجأون إلى أحكامه كأنّهم من رعاياه. وقد قال فيه تلميذه الأب توما اللبودي: "فعجبت الناس منه وظهرت له سطوة على الجميع بهذا المقدار، حتى حين كان يأمر أمراً في الكنيسة أو خارجاً عنها، كانوا يظنّون أنّ من خالفها خالف الله بالحقيقة...كم وكم من المرّات حين كانوا يأتون إليه من المدن أناس معتبرون من غير المسيحيّين، ومن الجبال أيضاً، وإذ كانوا يواجهونه كانوا ينطقون علانية أنّ هيبة الله على هذا الرجل. ومع هذا كلّه، كنت تراه متواضعاً أنيساً مؤانساً للمساكين والفقراء أكثر من السادات والرؤساء".(9)
وفي السنة 1719، وبعد خلاف بين موارنة دمشق والرهبان الفرنسيسكان على ملكيّة الكنيسة في المدينة المذكورة، أرسل البطريرك يعقوب عوّاد المطران عبدالله قراعلي ليعالج الموضوع. ورغم كلّ الصعوبات والمشاكل، أبدى المطران قراعلي غيرة وحزماً وذكاء ودراية في تخطّي كلّ ما اعترضه، وعمل على استرجاع الكنيسة إلى الموارنة وتنظيمها، وأقام هناك ثمانية أشهر في خدمة الرعيّة، ورسم لهم كاهناً وشمّاساً، وعلّمهم الطقوس والرتب المارونيّة.
وفي هذه السنة عينها، وبسبب خلاف مع البطريرك يعقوب عوّاد وابن أخيه المطران سمعان عوّاد، إتُهم المطران عبدالله قراعلي زوراً بأشنع التّهم، وأُهين وسُجن ثلاثة وثلاثين يوماً من قبل أمير الدروز وغُرّم ،(10) فما كان من رهبانه، ولشدّة محبّتهم له وتعلّقهم به، إلاّ أن قاموا مع القسم الأكبر من الأساقفة والشعب يستنكرون التعدّي على الفضيلة والحقّ، ويدافعون، طيلة ثلاث سنوات، دفاعاً تكلّل، على يد الكرسيّ الرسوليّ وقنصل فرنسا، سنة 1722، بجلاء الحقيقة وانتصار الفضيلة أمام الطائفة والبلاد.

--------------------------------
8- من "سيرة الأب عبدالله قراعلي" بقلم الأب توما اللبودي، بدايات الرهبانيّة اللبنانيّة، سلسلة التراث المارونيّ- رهبانيّات (1)، الكسليك- لبنان، 1988، ص: 101
9- من "سيرة الأب عبدالله قراعلي" بقلم الأب توما اللبودي، بدايات الرهبانيّة اللبنانيّة، سلسلة التراث المارونيّ- رهبانيّات (1)، الكسليك- لبنان، 1988، ص: 102
10- عن "اللآلئ في حياة المطران عبدالله قرألي"، للخورأسقف بولس قرألي، القسم الثاني، في المجلّة البطريركيّة، الجزء الأوّل، السنة الثانية عشرة، مصر، 1946، ص: 262.

المجمع اللبنانيّ والمطران عبدالله قراعلي

ولئلاّ تتكرّر هذه المأساة، وسببها الأوّل فقدان القوانين التي ترسم سياسة الكنيسة المارونيّة، وتحدّد المسؤوليّات في إدارتها وتنظّم علاقات الأساقفة بعضهم مع بعض ومع السيّد البطريرك، راح هؤلاء الأساقفة مع الرهبان يعملون بدون تردّد أو تراجع حتى حصلوا من الكرسيّ الرسوليّ سنة 1736، بدعم وهمّة المطران يوسف سمعان السمعاني الكبير، على إذن بعقد المجمع اللبنانيّ الذي تُوّج بسَنّ القوانين الإصلاحيّة، التي ما انفكّ المطران عبدالله قراعلي يطالب بها منذ ارتقائه الدرجة الأسقفيّة، مناشداً الكرسيّ الرسوليّ وقداسة البابا العمل على تبنّي هذا الإصلاح.
ولم تقف همّة المطران عبدالله قراعلي عند هذه المساعي التي بذلها لتحقيق هذا الأمر، بل كان خلال عقد المجمع وبعده، من أشدّ المصرّين على تنفيذ أحكامه. وكانت له اليد الطولى، مع آباء الرهبانيّة وبالأخصّ الأب توما اللبودي، في إتمام مهامّه، كما بيّن ذلك العلاّمة يوسف سمعان السمعاني نفسه في عريضته التي رفعها إلى قداسة البابا أكليمنضوس الثاني عشر بعد انتهاء المجمع.
كما شدّد المطران عبدالله قراعلي على تنفيذ مقرّرات المجمع اللبنانيّ بفصل أديار الرهبان عن أديار الراهبات. ولما كان دير مار يوحنّا المعمدان- حراش (عين الريحانة –كسروان) واقعاً ضمن نطاق أبرشيّته وكان هو رئيساً عليه يتدبّر شؤون راهباته، كان من أوّل الأديار الذين خضعوا للأحكام الجديدة. وإذ لم يكن للراهبات قانوناً مكتوباً، وضع لهنّ قانوناً خاصّاً، وطلب من الرئيس العامّ والمدبّرين في الرهبانيّة أن يتسلّموا تدبير هذا الدير، خوفاً من اندثار عمله بعد وفاته.
ثمّ واصلوا تنفيذ مقرّرات المجمع في الأديار تباعاً، فاتّفق المطران عبدالله قراعلي مع المطران يوسف سمعان السمعاني الكبير وعهدا إلى الرهبانيّة اللبنانيّة، التي كانت وحدها آنئذ تستطيع ذلك، إنشاء دير قانونيّ، يكون مثالاً لسائر أديار الراهبات. فقبلت الرهبانيّة المهمّة، وباشرت سنة 1736 بتأسيس دير مار الياس الراس في جعيتا، وفتحت أبوابه سنة 1740 لقبول طالبات الترهّب فيه بحسب قوانينها، مستدعية لإرشادهنّ ثلاثاً من راهبات دير مار يوحنّا – حراش.
وتوالى تأسيس الأديار أو تنظيمها، فكان دير مار جرجس الروميّة في القليعات، ودير سيّدة الحقلة في دلبتا، ودير مار عبدا هرهريّا في غزير، ودير عين ورقة في غوسطا، ودير مار أنطونيوس في بقعاتة كنعان، ودير مار موسى في بلونة، وغيرها...

عبدالله قراعلي المصلح

أ- تأسيس المدارس

بالرغم من رغبته الدائمة في تأسيس رهبانيّة نسكيّة تأمّليّة خورسيّة، فإنّه ومنذ انطلاق الرهبانيّة الجديدة، إهتمّ الأب عبدالله قراعلي دائماً بإنشاء مدرسة إلى جانب كلّ دير من أجل تعليم أولاد القرى المجاورة ونشر العلم والثقافة. وأوّل مدرسة افتتحها كانت إلى جانب دير مارت مورا في إهدن سنة 1695، وفي فصل الشتاء لحق بأهالي إهدن إلى زغرتا، حيث وهبه المطران جرجس يمّين مدرسة مار يوسف، فتابع فيها رسالة تعليم الأولاد.
ثمّ توالى فتح المدارس إلى جانب كلّ دير جديد، وتابعت الرهبانيّة، بعد موت مؤسّسها، رسالتها التعليميّة، واستمرّت بتنظيمها وتحديثها في لبنان وخارجه حتّى أيامنا، وكلّلت هذه الرسالة بفتح الجامعات.

ب- الإصلاح القضائيّ والمؤلّفات

لمّا ارتقى الأب عبدالله قراعلي الدرجة الأسقفيّة سنة 1716، كُلّف ممارسة القضاء المسيحيّ. فشعر بحاجة ماسّة إلى كتب قانونيّة وموسوعات تشريعيّة يستند إليها في إصدار الأحكام، فوضع دستوراً اعتمدته كلّ الطوائف المسيحيّة في لبنان، وبقي المرجع الوحيد زهاء قرنين متواصلين، سمّاه "مختصر الشريعة". ثمّ وضع كتاباً آخر هو "الفتاوى". وأخذ يمارس وظيفة القاضي المارونيّ في أبرشيّته أوّلاً، فعدّه الجميع حجّة زمانه في التشريع المدنيّ، وصار مقصداً للكثيرين من المتقاضين من كلّ طائفة ومذهب، من المسيحيين وغير المسيحيين.
ولا يسعنا في هذه الأسطر القليلة إلاّ أن نذكر دون أن نفي المطران عبدالله قراعلي حقّه بما أغنى به الكنيسة المارونيّة بالتآليف والكتب الروحيّة والطقسيّة والقانونيّة وغيرها التي طبعت تلك الحقبة من الزمن بطابع خاص ومنها استوحى مؤسّسو الرهبنات ما احتاجوا إليه في انطلاقة رهبانيّاتهم. كما نذكر الترانيم الروحيّة التي لا يزال يردّدها الكثير من المؤمنين في الكنائس والإحتفالات الروحيّة... وعبدالله قراعلي كان هو صاحب الفكرة في تصميم أختام الرهبانيّة وتبديلها حسب الحاجة. والجدير بالذكر أنّه كان أوّل من استعمل رسم الأرزة في وسط الأختام والتي أصبحت فيما بعد شعار الجمهوريّة اللبنانيّة.

وفاة المطران عبدالله قراعلي

بقي المطران عبدالله مرجعاً للرهبان في كلّ مشاكلهم، يستنيرون بآرائه السديدة في كلّ أمر مهمّ، إلى أن انتقل إلى الحياة الأبديّة في السادس من كانون الثاني، منتصف الليل، سنة 1742، في قرية زوق مصبح حيث كان يزور رعيّته.
جاء في كتاب "تاريخ الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة" للأب لويس بليبل، نقلاً عن سجلاّت دير سيّدة اللويزة، أنّه في سنة 1749، "جاء من دير سيّدة لويزة الأب العامّ مارون الدرعوني، والآباء المدبّرون الأربعة: يواكيم الحاقلاني ويواكيم بلاديوس واغناطيوس دياب ومرتينوس تابت، إلى كنيسة سيّدة الورديّة، كنيسة قرية زوق مصبح. وبحضرة المطران يوحنّا اسطفان والمطران جرمانوس صقر، فتحوا المقبرة حيث دفن السعيد الذكر المطران عبدالله قراعلي، مؤسّس رهبانيّتنا اللبنانيّة، وجمعوا بقاياه الكريمة في سفط من خشب، بعد أن وضعوا قسماً منها في سفطين من خشب أيضاً، ووضعت أختام الجميع مع الشمع الأحمر الذي ختم به هذه العلب، وتسلّم الأب العامّ والمدبّرون جميع هذه الرفات لتوضع في مكان لائق. القسم الأكبر نقل باحتفال حافل إلى دير سيّدة لويزة حيث دفن وراء المذبح الكبير... والأقسام الأخرى: قسم أرسل إلى دير مار الياس الراس لراهباتنا اللبنانيّات، وحتى الآن لم يزل محفوظاً بالإكرام اللائق به؛ والقسم الآخر أرسل إلى دير مار يوحنّا حراش للراهبات العابدات التابعات قانون المطران عبدالله، وهو لا يزال حتى الآن موجوداً في الدير المذكور ويعرف بسفط الذخائر."(11)
وقد كُتب على بلاطة تغطّي القبر ما يلي: "قد وضع ها هنا باعتبار حافل واحتفال شامل هامة وعظام المتنيّح السيّد المطران عبدالله قراعلي الحلبي، أسقف بيروت، أب ومؤسّس الرهبنة اللبنانيّة الذي توفّي بحيوة نقيّة وأتعاب جزيلة سنيّة، في اليوم السادس من شهر كانون الثاني 1742 مسيحيّة. إثنين وأربعين وسبعمائة وألف".
بقي القبر في ذلك المكان حتى عهد رئاسة الأباتي سمعان أبو عبدو العامّة على الرهبانيّة المارونيّة المريميّة ورئاسة النائب العامّ الأب المدبّر فيليب الحاج على دير سيّدة اللويزة، حيث رُمّمت كنيسة الدير، ففُتح قبر المؤسّس في 24 تمّوز سنة 2006، وحُفظت الرفات في إحدى غرف الدير بعد أن كشف عليها طبيب شرعيّ وكتب تقريره. ثمّ وضعت الرفات في صندوق بلّوريّ، ووضع في داخله وعاءان زجاجيّان: أحدهما يحوي تراباً من القبر القديم، والثاني صوراً فوتوغرافيّة للقبر القديم وصورة البلاطة التي كانت موضوعة على القبر، مع بيان مفصّل عن هذا الموضوع مختوماً بختم الرئيس العامّ.
وفي عيد أبينا القدّيس أنطونيوس في 17 كانون الثاني 2007، وبعد الانتهاء من أعمال الترميم، جرى احتفال مهيب، حيث وضعت الرفات في المكان الجديد المعدّ لها إلى يسار المذبح الكبير. كما وُضع فوق القبر تمثال نصفيّ من البرونز للمؤسّس نفسه.

--------------------------------
11- الأب لويس بليبل، تاريخ الرهبانية اللبنانيّة المارونيّة، المجلّد الأوّل، مصر، 1924، ص: 102

حبّة خردل

حبّة خردل وضعها الربّ يسوع بين يدي عبدالله قراعلي، فغرسها في أرض وادي القدّيسين الطيّبة، وأوكلها إلى عناية العذراء مريم "ست البيت" كما كان يحلو له أن يدعوها وهي التي كان لها المكانة المميّزة في قلبه، فأنشد لها النشائد ونظم لها المدائح والتراتيل والزيّاحات.
نبتت حبّة الخردل بين يدي يسوع وبعناية مريم، وصارت شجرة كبيرة، أفرخت وأفرعت ومدّت أغصانها، فانتشرت أدياراً ومناسك ومعابد على تلال لبنان وفي وديانه، وأثمرت مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز داخل الوطن وخارجه. وفي السنة 1770، نمت الرهبانيّة بفرعيها اللبنانيّ المارونيّ (الرهبانيّة البلديّة) والحلبيّ اللبنانيّ (وقد أصبحت سنة 1969 "الرهبانيّة المارونيّة المريميّة").
ويكفي الأب عبدالله فخراً أنّ رهبانيّته أعطت الكنيسة والعالم رهباناً قدّيسين، منهم من رُفعوا فوق المذابح كشربل ونعمة الله ورفقا، ومنهم من هم على درب إعلان القداسة كالأخ إسطفان وغيره... من الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة،
وآخرون عاشوا وماتوا برائحة القداسة، وأعمالهم تشهد على قداستهم كالحبساء لورنسيوس الحيمري وعبد المسيح الحايك والأب أنطونيوس طربيه والأب جناديوس موراني والأب عمّانوئيل الأشقر والرهبان الإثني عشر شهداء مذبحة دير القمر سنة 1860... من الرهبانيّة المارونيّة المريميّة،
وغيرهم دُعوا إلى السير على خطى المؤسّس في الدرجة الأسقفيّة، وأسماء أخرى أكملت ما كان قد بدأه المؤسس، فأغنت الكنيسة بالأعمال الفكريّة والأدبيّة والتاريخيّة واللاهوتيّة والقانونيّة والتشريعيّة والليتورجيّة...
هؤلاء جميعاً وغيرهم عبر التاريخ، هم خير برهان على أنّ هذه الرهبانيّة، التي انطلقت مع عبدالله قراعلي من وادي قاديشا، وانتشرت في كلّ لبنان وجهات كثيرة من العالم، لم تكن مشروع عبدالله الخاص، إنّما هي مشروع الربّ يسوع في الكنيسة وللكنيسة. فهي استمرّت وتستمرّ برسالتها وعطائها وبشارتها ما دام الربّ يريدها علامة لملكوته بين شعبه، وما دامت العذراء تأخذ أبناءها تحت حمايتها وشفاعتها.

المراجع

الأب لويس بليبل، تاريخ الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، المجلّد الأوّل، مصر، 1924.

الخوري بولس قرألي، اللآلئ في حياة المطران عبدالله قرألي، القسم الأوّل، بيت شباب (لبنان)، 1932.

الخوراسقف بولس قرألي، اللآلئ في حياة المطران عبدالله قرألي، القسم الثاني، في المجلّة البطريركيّة، الجزء الأوّل، السنة الثانية عشرة، مصر، 1946.

المطران عبدالله قراعلي، المصباح الرهبانيّ في شرح القانون اللبنانيّ، قدّم له ونشره الأب جرجس موراني الحلبيّ اللبنانيّ، بيروت، 1957.

الأباتي بطرس فهد، تاريخ الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة بفرعيها الحلبيّ واللبنانيّ، الجزء السادس، ص: 297-330، لبنان، 1968.

الأب جوزيف قزّي (تقديم وإعداد)، بدايات الرهبانيّة اللبنانيّة، سلسلة التراث المارونيّ- رهبانيّات (1)، الكسليك- لبنان، 1988.

الأباتي بطرس فهد، المطران عبدالله قراعلي مؤسّس الرهبانيّة المارونيّة الحلبيّة اللبنانيّة 1694 في وادي قاديشا المقدّس، 1993.

الأب فيليب الحاج، حوليّات دير سيّدة اللويزة زوق مصبح 1682-2007، منشورات الرهبانيّة المارونيّة المريميّة، زوق مصبح، 2007

 



   

 

 



أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007