|
|
|
|
دور الجماعة الرهبانيّة في بناء مجتمع "إفخارستي" |
![]() |
||
|
مقدّمة
إن الزمنَ الذي نَحيَا فيه هو زمنُ الفردّية بامتياز، ونحن شهود على التحّول السريع الذي يعيشُه المجتمع البشرّي (وضمنه الكنيسة) من مجتمع متضامنٍ مبنيّ على المُثُل الإنجيليّة وبالتحديد على مفهوم الشراكة بين البشر (وكانَ المُؤمِنون كُلُّهُم مُتَّحِدينَ، يَجعَلونَ كُلَّ ما عِندَهُم مُشتَركًا بَينَهُم أع. 2، 44)، الى مجتمع متفكّك فرديّ مبنّي على أركان أربعة: الفرديّة، النسبيّة، المادّية والإستهلاك. إن هذا الواقع لا ينحصر بالمجتمع الغربي الذي غالباً ما أُلصِقت بِهِ صفة الفردية، إنما بوادر التحوّل هذا بدأت تتّضح معالِمُهُ في مجتمعنا اللبنانّي، فنرى ركناً من أركان المُجتَمَع آخذاً بالتّزَعزُع، أعني به الزواج كمؤسّسة متجذّرةٍ في سرّ المسيح وكنيسته؛ والعائلة، الجماعة المدعوّة لأن تكون كنيسةً منزليةً، صورةً لعائلة الناصرة وعاكسة لعلاقة العطاء الثالوثيّة، بدأت تتحوّل عن غايتها الأسمى، لتضحي تحت وطأة الهموم الماديّة وعقليّة الإستهلاك، مجموعة لا جماعة، تنحدر الى الفرديّة رويداً رويداً. لن يمكن للحياة الرهبانية أن تحقّق دعوتها هذه إلاّ إذا عرفت أن تحيا سرّ الإفخارستيّا كمكّون أساسيّ لوجودها ولحياتها ورسالتها، "فالإفخارستيّا هي قلب الحياة الرهبانيّة"(1)، ومن دون هذا البعد الإفخارستيّ، تفقد الحياة الرهبانيّة غاية وجودها، و تتحوّل الى تيّار روحيّ أو ثقافيّ، من دون فعاليّة ولا حاجة له، تبقى فقط مؤسّسة وليدة مجتمعها، من دون التمكّن قطّ من أن تكون والدة المجتمع الجديد الذي دعا اليه المسيح وأوكل رُسُلَه التبشير به. من دون هذا البعد تصبح الحياة الرهبانية جزءاً من السماء القديمة والأرض القديمة، يفسد ملح دعوتها فلا يُملّح المجتمع، يخفت ضوء سراجها تحت مكيال النسبية والإستهلاك والماديّة والفرديّة، فتموت. --------------------------- وحدها الإفخارستيّا تقي الحياة الرهبانيّة النزعةَ المادّيةَ والفكرَ الإستهلاكي
يكفي أن نلقي نظرة خاطفة على لوحات الإعلانات على طرقاتنا، أو نشاهد الإعلانات المرئية على شاشات التلفزيون، لنعرف أن الوسيلة الأنجع لإثارة رغبة المستهلك هي إثارة غرائزه، ومنها الجنس والدعوة إلى التفتيش عن اللّذة. هي صورة مصغّرة عن منطق تفكير لا يمكن أن يتلاقى وقيم الإنجيل. بعقليّة الإستهلاك والرأسماليّة العمياء، يضحي الإنسانُ المخلوقُ على صورة الله ومثاله رهينةَ المادة، ويصبح خيرُه الأسمى إقتناءَ الخيرات واحتكارَها ، فيُقاس عندها الفرد بما يملك، ويساوي ما يملك، وإن لم يملك شيئاً، فهو لا يساوي شيئاً. "كثيرة هي المشاكل التي تجعل أُفقَ زمننا مظلماً: يكفي أن نذكر أولويّة العمل من أجل السلام، وإدخال العدالة في العلاقات البشريّة، وحماية الحياة الإنسانيّة منذ لحظة الحمل حتى نهايتها الطبيعية، ناهيك عن آلاف التناقضات في مجتمع مُعَولَم، لا رجاء فيه للضعفاء وللفقراء. في هذا العالم يجب أن يُزهر الرجاء المسيحي، ولذلك شاء السيّد أن يبقى معنا في الإفخارستيّا، راسماً في هذا الحضور القرباني وعداً ببشريّة مجدّدة بحبّه"(2). الحياة الرهبانيّة مدعوّة الى الشّراكة بهذا التجديد "الإفخارستيّ"، فهي صوت نبوّي في عالم اليوم، عليه أن يَعلوَ ضدَّ تشييء الإنسان، من أجل العمل على أن يكون المرءقيمة مُطلقة لا تُقاس بما يملك، فمعياره ثمن آخر: دمُ المسيح المُهرَقُ عن كل إنسان وكلّ الإنسان. وحده سرّ الإفخارستيّا بوسعه أن يكون الحافز لهكذا صرخة نبوّية، ووحده الراهب المتشبّع من سرّ المسيح القربان يرى في الإنسان قيمة مطلقة لا نسبية، وحدها الجماعة الرهبانيّة المجتمعة حول سرّ القربان، تقدر أن تبشّر بمجتمعٍ جديد، مبنيّ على قيم إفخارستيّة، ترى في الإنسان ما لا يقدر المجتمع أن يراه فيه، ترى الجوهر المقدّس، لأنها قادرة على الأيمان بجوهر إلهيّ تحويه طيّاتُ قربانة مادّية؛ وترى في الفقير مسيحاً أخلى ذاته وتواضع حتى إلإمّحاء، إمّحاءِ أن تطوف به أيدينا الخاطئة. تضحي قادرة هي على رؤية الجوهر، وعلى التنبّؤ بمجتمع جديد، مبنّى على قيم إلهيّة تحويها المادّة، والويل لها الجماعة الرهبانيّة إن توحّدت حول شيء آخر سوى الإفخارستيّا، فعندئذٍ تكون وليدةَ قِيمِ مجتمعها، ووالدةً تجهضُ جنينَ المجتمع الجديد. --------------------------- الإفخارستيّا والمادّة الأسراريّة
إن الحياة الرهبانيةّ لا يمكنها أن تكون مثمرةً إن لم تعرف كيف تأوّن إيمانها بالتحوّل الجوهري الإفخارستّي،.وتطبّقه في عالم اليوم. مجتمعنا اليوم هو مجتمع متألّم، وإن كان مترفّهاً، وألم مجتمعنا مردّه الى الماديّة التي تخنقه. في سعيه نحو واقع أفضل، واقع أكثر رفاهيّة ورخاء، تغاضى عالمنا عن البعد الروحي للوجود الإنساني وحصر سعادته بسعادة اللحظة الحاضرة، فالتغى البعد الروحّي لكل وجود إنسانيّ، ونتيجة لذلك، صار الرخاء نفسُه مصدر ألم، لفقدان المعنى والهدف، وسقط الإنسان في وجوديّة ماديّة ملحدة، رجاؤها الوحيد إقتناص سعادة اللحظة. هو واقع يقتل الإنسان ولا يعطيه السعادة، لأنّ الإنسان بطبيعته مدعوّ نحو حقيقة تتخطّى المادّة، مدعوّ الى الإتّحاد بالإلوهة. مرّة جديدة صار الإنسان بحاجة الى الفداء، فداء تمَّ مرّة واحدة وطال تاريخ البشريّة، فداءٌ أُلقي على عاتق الكنيسة الإحتفالُ به وتأوينُه كلّ يوم من خلال الإفخارستيّا. والجماعة الرهبانيّة مدعوّة بنوع أخصّ، لأن تُجدِّدَ فداء المسيح للإنسان من خلال إيمانها وعيشها لسرّ التحوّل الجوهري: هذا السرّ يعطي أملاً للإنسان سجين المادة، ويقدر أن يعطي المادّة بعداً آخراً خلاصيّاً حاملاً للنعمة. الراهب الذي يؤمن بالخبز المادّي الذي يتحوّل جوهريّاً الى حضور إلهي ويتّحد به، هو مدعو، لإعلان قدرة العالم والمادّة على الوصول الى الله من خلال إستقبال الله في مادّته الميتة وتحويلها الى حاضنةٍ لنعمة المسيح، مدعوّ في بساطة حياته اليوميّة لأن يكون مُعلناً لطريقة حياة معاكسة للواقع الحاليّ للإنسان، مدعوّ الى جعل محيطه يُفتّش عن البعد الروحيّ الذي حاولت الوجوديّة المُلحدة دفنه، وهو مسؤول أكثر من أيّ مؤمن آخر عن غرس الروح في جسد مجتمعه، لأنّه يختبر كلّ يوم قدرة الله على تحويل جماعته من مجموعة أفراد متمايزين، الى جماعة مرسلين إفخارستيين، ويعرف أن الله وحده قادر أن يعطي للجماعةِ الإنسانيّة بعداً إلهيّاً، مبنيّاً على تقدمة المسيح لذاته قرباناً شهيّاً للآب السماوي من أجل فداء البشر. الإفخارستيّا وسيلة إعلانٍ للحقيقة المُطلقة
لقد أصبح مجرّد الكلام عن حقيقة مُطلقة أمراً مرفوضاً في كثير من تيّارات الفكر المعاصرة، ونوعاً من الإعتداد والكبرياء العقلّي، وصارت الحقائق المّثبتة علميّاً تُعتَبَر وحدها حقائق ثابتة، أمّا الحقائق غير "المثبتة علميّاً"، ومنها الحقائق الإلهية، فهي حقائق محضُ نسبيّة تختصّ بكل مؤمن على حدة أو بجماعة المؤمنين. كما أن نظام الكون الجديد، المجتمع المُعَولم، بات يسعى الى التعايش بين شتّى التيّارات والمذاهب والأفكار والسياسات، وبخاصّة بين الديانات المُختلفة، ليس عن طريق خلق إنسان قادر على قبول إختلاف الآخر واحترامه والعيش معه، إنّما عن طريق خلق "ديانة واحدة" هي ديانة النسبيّة، ديانة شعارها "كلّنا على حقّ". "إن الإيمان لا يفتّش عن الصراع، إنما يفتّش عن مساحة حريّة وتسامح متبادل، ولا يمكنه القبول بأن يُعطى تعريفاً يحدّه لجعله يتماشى مع التقدّم، فعلى الإيمان واجب الوفاء المُطلق للربّ"(3). عقليّة المجتمع المعاصر هي عقليّة تسعى الى تطبيق العلمانيّة حتى على النطاق الديني، لتضع الحقائق كلّها على قدم المساواة. من الأساسي التمّييز بين العلمانية على نطاق المجتمع، حيث للجميع الحقوق والواجبات ذاتها، وبين الإيمان بحقيقة الكنيسة، الحقيقة المطلقة، يسعى من خلالها الإنسان الى احترام الآخر ومحبّته وتقديس حقّه بأن يكون مختلفاً. منطق التعايش هو أن تكون "حقيقتي" واحدة ضمن حقائق كثيرة متساوية، إنما منطق شراكة الحياة على الأصعدة كافّة، هي أن أعتنق حقيقة مطلقة أسعى من خلالها الى العيش مع من هو مختلف عنّي بالاحترام المطلق لحرّيته في المعُتَقد. بهذا الشكل يمكن للجماعة الرهبانيّة أن تكون والدةَ المجتمع الجديد، المبنيّ على أساس حقيقة مطلقة تقبل المختلف عنها ولا تُلغي حقّه الطبيعيّ في المعتقد، تحبّه لأنّه مختلف، وتحبّه على أساس حقيقة الحضور السرّي للمسيح القربان، والتي تعكس حضوره الروحيّ في المجتمع وفي كلّ إنسان على الرغمِ من اختلافه. بالتوحّد حول سرّ القربان يمكن للرهبان أن يكونوا جماعة رهبانيّة تقبل حضور المسيح روحيّاً في داخلها، فتتجدّد، وعبثاً تسعى الى التجدّد إن لم يكن أساس تجدّدها إفخارستّياً، وعبثاً نسعى الى الحياة الجماعية إن لم نلتقِ حول مذبح الربّ كجماعة قدّيسين تحتفل بأقداس السيّد. الإفخارستيّا قادرةٌ أن تخلق فينا تعابير مشتركة وهدفاً واحداً، وتكون هي الوسيلة لبشارتنا، إن بإعلان الإنجيل للمجتمع من خلال العمل الرسولي، أو من خلال الحياة الديّريّة المستترة الحاملة الإنسان، كلّ إنسان، في أعماقها. ---------------------------(3) Ratzinger, J., Dio e il Mondo, essere cristiani nel nuovo millenio, Milano 2001, pp.415-416. الإفخارستيّا وحياة الجماعة
ما نسمّيه نحن "مناولةً" يعطيه العهد الجديد إسماً آخر يعبّر أعمق تعبيرٍ عن هذا الحدث الفريد الذي نحتفل به يوميّاً: koinwni,a ، أي الشّراكة والدخول في علاقة وثيقة وحميمة مع الله ومع الجماعة، بهذا المعنى نقرأ في 1 قورنتس 10، 16: "كأْسُ البَرَكَةِ التي نُبارِكُها، أما هِـيَ مُشارَكَةٌ في دمِ المَسيحِ والخُبزُ الذي نَكسِرُهُ، أما هوَ مُشارَكَةٌ في جَسَدِ المَسيحِ". نتيجة لهذه الشّراكة في جسد الربّ "نصبح نَحنُ في كثرَتِنا جسداً واحداً في المَسيحِ، وكُلُّنا أعضاءٌ بَعضُنا لِبَعض" (روم 12، 5) هكذا تستقي الجماعة الكنسية، وبصورة مثلى الجماعة الرهبانيّة الساعية الى الإتّباع الجذري للمسيح، نعمة الإتّحاد والشّراكة من سرّ القربان، لتطبّقه في حياتها اليوميّة. الحياة الرهبانيّة هي أمام خيارين: إمّا أن تبقى المؤسّسة الإنسانيّة وليدةَ مجتمعها، فتحيا العنف البشري، والإنقسام، والماديّة والإستهلاك والوصوليّة وتفنى بها، أو تكون المؤسّسة النبوّية الأسراريّة التي تلد مجتمعاً جديداً مبنيّاً على قيم المسيح الأزليّة، معياره العيش مع الآخر ومشاركته الحياة على صورة الله الثالوث، وسيلته عطاء الذات للآخر حتّى الموت على مثال المسيح، من خلال الجماعة الرهبانيّة التي دعيت للتماهي في المسيح(5)، في سبيل بناء الآخر، وتحويله الى إنسان أسراريّ، ومجتمع أسراريّ، يحيا المادة ويزرع في داخلها حضور الله، يحوّل الكون من مسرح عنف وحرب وصراع بقاء، الى مجتمع جديد، مجتمع العيش المشترك، مجتمع مدعوّ للصفح، ومن خلال الصفح إعطاء الآخر قيمته الحقيقيّة كابن لله مُفتدىً بدم الإبن . عندما تختار الجماعة الرهبانيّة أن تكون جماعة إفخارستيّة، وأن تحيا سرّ المصالحة مع الله، عندها تتحوّل هي الى ما تتناوله كلَّّ يوم، يحوّل الزادُ آكلَهُ ويصوغُه على صورته، تسمع صوت الربّ يقول: "أنا هو طعام البالغين، إكبر فتأكلني، دون أن تحوّلني اليك كالطعام الجسديّ، إنما أنت سوف تتحول اليّ"(6) أن تصبح الحياة الرهبانيّة بالغة، معناه أن تتحول من مجموعة بشريّة الى جماعة أسراريّة، فتتصوّر على صورة سيّدها، وعندها فقط تبلغ الهدفَ الذي دعاها الله لتحقيقه. --------------------------- دور مريم "الإفخارستّي" في بناء جماعتنا الرهبانيّة
يأحذ حضور مريم في عرس قانا بعداً تعليمياً لخدمة سرّ إبنها، هي تقول للخدم (diako,noij وهو تعبير يستعمل للخدمه الليتورجية، وبالتالي للشّمامسة) إفعلوا ما يأمركم به، فاشتركوا في تحويل المادة الميتة الى خمرة العهد الجديد (دم العهد الجديد). لم تشترك هي في التحويل، لم تقم بعمل كهنوتيّ إنما ذكرّت الخدام الكهنوتيين بضرورة وضع إرادتهم في تصرف المسيح ليشتركوا في كهنوت العهد الجديد، كهنوت إبنها. من هنا أيضاً نفهم دورها في تنشئة الحياة الكهنوتية، هي أم المسيح الكاهن تصوّر أيضاً في رحمها جنين كهنوت كل واحد منّا، تنشئنا على خلق تربة خصبة لكهنوت الخدمة من خلال كونها معلّمة ومنشئة روحية لعيشها الكهنوت العام بالطريقة الأمثل. هي تقدر على مساعدتنا على عيش البعد الإفخارستّي لحياتنا الرهبانية، هي التي أعطت الجماعة جسد المسيح الحقيقيّ، هذا الجسد الذي نحتفل بتحويله كلّ يوم على مذابح أديارنا. بهذا المعنى أُكرّرُ مع القدّيس إبيفانيوس: "أيتها العذراء، يا كنـز الكنيسة العظيم، التي كان نصيبها السرّ الكبير... نادوا العذراء كاهناً (i¸ere/a ) ومذبحاً معاً، هي حاملة المائدة تعطينا الخبزَ السماوي، المسيح، لمعفرة الخطايا"(7). لذلك "كل صفات التنشئة الكهنوتية تقدر أن تجد لها مرجعاً في مريم"(8)، مريم هي الإنسانة المثال التي تُفهمنا كيفيّة الشّراكة في تغيير واقعنا، في ولادة المسيح في الإنسان وفي المجتمع البشري، هي الحاضرة دوماً بطريقة مميّزة في الإحتفال الإفخارستيّ، "والكنيسة مدعوّة من خلال تأمّلها بمريم كمثال لها، الى الإقتداء بها في علاقتها بهذا السرّ الأقدس"(9)وهي التي تدعونا لأن نفعل ما يأمرنا به إبنها، ما يأمرنا به هو أن نلبّي دعوته، ونجعل الإفخارستيّا محور جماعتنا الرهبانية، نقطة إنطلاقها وهدفها، في سبيل صوغ جنين المجتمع الجديد على صورة المسيح الإفخارستيّا. --------------------------- |
أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء |