"كأْسُ البَرَكَةِ التي نُبارِكُها، أما هِـيَ مُشارَكَةٌ في دمِ المَسيحِ والخُبزُ الذي نَكسِرُهُ، أما هوَ مُشارَكَةٌ في جَسَدِ المَسيحِ". (1كور 10 \ 16)

الكهنوت والحياة الرهبانيّة:

تأمّل على ضوء حدث التجلّي

 


مقدّمة

حين بدأت الحياة الرهبانيّة تتنظّم، وتنتقل من حالة إنفراد وعزلة خارج الجماعة الكنسيّة (بالمعنى الجغرافيّ وليس وبالمعنى الرّوحيّ)، وتدخل في احتكاك مباشر مع السلطة الكنسية ومع الإكليروس الأبرشيّ، بدأت تنشأ حالة من اغتناء متبادل وتعاون في سبيل خدمة كنسيّة فعاّلة من ناحيّة، إنّما من ناحية أخرى خلق هذا التداخل نقاط تجاذب وجدال بين المؤسّستين: الرهبانيّة والأبرشيّة حول الحقيقة اللاهوتيّة لكلّ منهما وحول دورهم الرسوليّ والراعويّ.
وحين بدأت الحالة الكهوتيّة تدخل الجسم الرهبانيّ وتضحيّ من مقوّماتها، انتقل البحث الى ما هو أوّلي في حياة الراهب ورسالته: أهو التكرّس الرهبانيّ الّذي يدعوه الى الإختلاء أو الوسم الكهنوتيّ الّذي يحمله الى الإنطلاق في خدمة رعيّة المسيح؟ فما من كهنوت دون رسالة.
"فالحياة الرهبانية المُعاشة ببطولة هي، في حدّ ذاتها، واسطة فعّالة للقداسة. وبما أن الكهنوت هو من صلب الحياة والرسالة (...)، وهو ذو فاعليّة روحية خاصة في حياة الراهب، فإن المسؤولين يعملون، بدافع من الروح القدس، على تمييز النعمة الخاصة بكلّ من الرهبان، ويدعونه، الى قبول سرّ الكهنوت"(1).
إن رهبانياتنا المارونية الثلاث، المريمّة واللبنانيّة والأنطونيّة، "هي منظّمات رهبانية إكليريكية ذات نذور مؤبّدة"(2)، وبالتالي فإن الهوّية الكهنوتية ليست مضافة على الحياة الرهبانية بل تدخل في صميم أهدافها.
إنما المشكلة هي أننا مدعوّون أيضاً بموجب دعوة خاصة الى دعوة مميّزة هي الحياة الرهبانية، حياة قد نظنّ أننا لا تتوافق مع مقتضيات الحياة الكهنوتية وتخلق فينا تشتّتاً وضياع، وأحياناً أزمة هويّة.

1) فمن مقوّمات الحياة الرهبانية الإختلاء والإنقطاع عن العالم، بينما مقوّمات الحياة الكهنوتية هي الرسالة والعمل في خدمة شعب الله.

2) التكرّس الرهباني هو التزام بعيش المشورات الإنجيلية بعمقها، وبالتالي فهو سعي الى عيش الكهنوت العام بعمقه، هي الحياة المسيحية التي تطبّق بجذريتها حسب مشورات الإنجيل المعطاة لكلّ مسيحي، بينما الهويّة الكهنوتية التي ننالها هي عيش كهنوت الخدمة: فهل نحن مدعوّون لعيش الكهنوتين جنباً الى جنب؟ هل يجب علينا تهميش جانب من حياتنا على حساب جانب آخر، أو إخضاع واحد لأولوية آخر؟ هل نحن قادرون على دمج الأثنين معاً في هويّة واحدة وما هي هذه الهوية؟

3) بعض التقاليد الرهبانيّة ترى أن التكرّس الرهباني هو ترك للعالم وإستباق لملكوت السماء، ويظن البعض أن الهويّة الكهنوتية، وخاصّة من الناحية الأسرارية و"صنع الإفخارسيتا" (Conficere ) هي جلب ملكوت السماء الى أرضنا وإحلال ملك الله من خلال إحلال الكلمة المتجسّد حقيقة وسرّياً في العالم.  فهل من الممكن التوفيق بين السعي الرهبانيّ الى العيش المسبق في ملكوت الله من خلال التكرّس "الملائكي"، وبين الغاية الكهنوتية في جلب ملكوت الله على الأرض من خلال التكريس الأسراري؟ وهل هي صحيحة فعلاً طريقة التمييز هذه؟

4) الكهنوت من الناحية الهرمية يناقض أيضاً التنظيم الرهباني، فالكاهن يستمدّ كهنوته من الكنيسة، من الأسقف، بالإتحاد مع الجماعة الأسقفية وعلى رأسها أسقف روما، ومن خلال وضع اليد التي بها يمارس الكاهن موهبة التقديس.  أما الحياة الرهبانية فتبدو أحياناً (بسبب مفهوم خاطيء) جزيرة منفصلة عن الكنيسة المحلّية، تتمتّع بهرميّتها الخاصة، والراهب الكاهن يتّصل برئيس منظّمته.  هنا يُطرَح السؤال: الى أي مدى يستطيع الكاهن المترهّب أن يُحافظ على قيمة العلاقة التي تربطه بالرأس الكهنوتي المكاني، وكيف يستطيع أن يوازن بين طاعته للسلطة الكهنوتية، أي الأسقف، وللسلطة الرهبانية، أي الرئيس العام، دون إخلال في أي منهما، ودون الإنفصال عملاً أو فكراً عن الجسم الكنسي؟ إن المشكلة الأكبر التي تواجه الرهبانيات في علاقتها مع الكنيسة المحلّية هي مشكلة التحرّر النسبيّ عن السلطة الكنسية، والإقتناع الخاطئ بأن الكهنوت الرهبانيّ مصدره الرهبانية، وكنتيجة حتمية، نجد روحانيّة الفوقية في الرهبانيات أحياناُ: الأسقف والجسم الكهنوتي الأبرشي هم جسم كنسي لا يتعلّق بي (بينما لا يمكن لكهنوتي أن يُمارس منفصلاً عن ملء كهنوت الأسقف وبالإتّحاد معه)، ومن ناحية أخرى نجد روحانية العدائية والشعور بالتهديد في الأبرشيات،  فالرهبان هم جماعة منفصلة عنّا، وبالتالي فنحن وإيّاهم في سباق على كسب رضى الشعب.

---------------------------
(1) 
الرهبانية المارونية المريمية، القوانين والرسوم، مادة 59.
(2) القوانين والرسوم، مادة 1.

مقوّمات الحياة الرهبانية الإكليريكيّة: التجلي على الجبل روحانية للراهب الكاهن

 

لوقا 9: 28 - 36
مرقس 9: 2 - 10
متّى 17: 1 - 9

28وَبَعْدَ هَذَا الْكَلاَمِ بِنَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ ، أَخَذَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَصَعِدَ إِلَى جَبَلٍ لِيُصَلِّيَ.
29وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً ، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضّاً لاَمِعاً. 30وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ ، وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا ، 31اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ ، وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ. 32وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ، وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ. 33وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ ((يَا مُعَلِّمُ ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً)). وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ. 34وَفِيمَا هُوَ يَقُولُ ذَلِكَ كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي السَّحَابَةِ. 35وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: ((هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا)). 36وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ ، وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَداً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ.

2وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، 3وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدّاً كَالثَّلْجِ، لاَ يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذَلِكَ. 4وَظَهَرَ لَهُمْ إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوعَ. 5فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقولُ لِيَسُوعَ: ((يَا سَيِّدِي، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى، وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً)). 6لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ. 7وَكَانَتْ سَحَابَةٌ تُظَلِّلُهُمْ. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: ((هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا)). 8فَنَظَرُوا حَوْلَهُمْ بَغْتَةً وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً غَيْرَ يَسُوعَ وَحْدَهُ مَعَهُمْ. 9وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ، أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُحَدِّثُوا أَحَداً بِمَا أَبْصَرُوا، إلاَّ مَتَى قَامَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ. 10فَحَفِظُوا الْكَلِمَةَ لأَنْفُسِهِمْ يَتَسَاءَلُونَ: ((مَا هُوَ الْقِيَامُ مِنَ الأَمْوَاتِ؟))

وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ. 2وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: ((يَا رَبُّ ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ :لَكَ وَاحِدَةٌ ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ)). 5وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: ((هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا)). 6وَلَمَّا سَمِعَ التَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً. 7فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: ((قُومُوا ، وَلاَ تَخَافُوا)). 8فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ. 9وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: ((لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ)).

إخترت للتأمل حول هذا الموضوع نصّاً يورد حدثاً مهمّاً في إيماننا وفي لاهوتنا المسيحي، حدث تجلي المسيح أمام ثلاثة من تلاميذه على الجبل.  حدث التجلي أورده ثلاثة من الإنجيليين، هم الأزائيين، أي مرقس ومتى ولوقا.
قبل التأمّل في هذا الحدث نشير الى أمرين:

1) أولاً: إن النص قد أورده ثلاثة إنجيليين، وإن بدا للوهلة الأولى أن النصوص تتطابق، إنما بعد قراءة دقيقة ومتعمّقة، نجد أن هناك بعض التفاصيل التي تنقص وأخرى تزيد بين إنجيليّ وآخر.  إن هذه الإختلافات ليس بقليلة الأهمية، فهي تبرز خاصة اللاهوت المميّز لكلّ إنجيليّ.  فهم وإن إشتركوا معاً في إعلان الحقيقة الواحدة: تجسّد وآلام وموت وقيامة المسيح إفتداءً للبشر وصعوده الى السماء، وبالتالي بنوّته الإلهية وحقيقته كمخلص الكون الأوحد، إلاّ أن كل إنجيليّ قد كتب الى جماعة معيّنة، ذات حيثيّات وخصوصيّات ثقافية و تقاليد دينية وروحية، وبيئة إجتماعية متمايزة، وبالتالي فكلّ إنجيليّ قد أوصل رسالته الى المجتمع الذي يبشّره بعناصر لاهوتيّة وثقافيّة وأدبيّة تتوافق والثقافة الخاصة بهذه الجماعة المُبَشّرة.  إضافة الى ذلك، إن كلّ إنجيليّ قد تأمّل وبشّر بالحقيقية المسيحانية من وجهة نظره اللاهوتية والخلاصية، وهو ما يتجلّى من خلال إستعماله مرادفات وتعابير تتميّز عن غيره من الإنجيليين.
   -
لقد وصلت الينا اليوم هذه الأناجيل كلّها وصارت محتوية لإيماننا المسيحي، وبالتالي صرنا ورثة للثقافة المحليّة للجماعات الأولى على إختلافها، وعلينا بالتالي أن نفهم ماهية ثقافتهم لنقدر على فهم رسالة الإنجيل بعمقها، كما صرنا ورثة للاهوت الإنجيليين الأربعة وليس لواحد منهم.
   -
نحن اليوم ورثة الأناجيل الأربعة، وبالتالي فنحن موكلون الحفاظ على ووديعة الإيمان التي يحتويها كل من الأناجيل الأربعة، فنحن نؤمن بالإنجيل المكّون من أربعة أناجيل، رغم الإختلافات أحياناً بسبب خاصيّة كل ثقافة، ونؤمن أيضاً بأن هذا الإنجيل قد كان له كاتبان: الكاتي الموحي والكاتب الموحى، والكاتب الموحي، الروح القدس، قد إستعمل قدرة الإنجيلي الأدبية والثقافية والروحية واللاهوتية لإيصال رسالة الحياة.  لذلك في تأمّلنا في حدث التجلّي، لن نحصر بحثنا في إنجيل واحد، بل نحاول أن نتأمّل في الأناجيل الثلاثة معاً، في ما تحمله من إختلاف وتلاق، لندرس السرّ بكل أبعاده، عارفين أن الإختلاف لا يعني عدم تاريخية الحدث، بل أن الحقيقة قد تجلّت بأشكال مختلفة، علينا البحث عنها بكافة أشكالها لنتعمّق في إيماننا الكتابي، إن الإختلاف يكمّل ولا ينقض الحقيقة.

2) ثانياً: إن العهد الجديد لم يسنّ قانون حياة رهبانية، والحياة الرهبانية المسيحية لم تتكوّن قبل القرن الرابع، وبالتالي يكون من الخطأ بمكان أن ننسب الى الإنجيل تعاليم رهبانية.  إن العهد الجديد قُصِدَ أن يكون إختبار حياة الرسل مع السيد، وتعاليم المسيح ورسله للجماعات المسيحية من خلال الجماعة التي تستلم هذه الشهادة وتنقلها بواسطة التقليد المقدّس الى كلّ معمّد في كل زمان ومكان.  إن الحياة الرهبانية تنتمي بتكوينها الى جماعة المعمّدين، حاملي الكهنوت العام، الذين سمعوا هذه البشرى وأرادوا تطبيقها شخصياً، وبجذريتها في حياتهم، وبطريقة مميّزة، من خلال إعتناق المشورات الإنجيلية الموّجهة الى كلّ مؤمن.  من هذا المنطلق نستطيع التكلّم عن روحانية رهبانية تجد جذورها في العهد الجديد.

الزمان والمكان ومعناهما الأعمق

إن الزمان والمكان في الكتاب المقدّس، وخاصة في العهد الجديد، هما مهمّان لفهم رسالة الإنجيلي، إذ يحتويان على رمزية يريد الكاتب من خلالها إيصال لاهوته الى القاريء.  إن العهد الجديد لم يُكتَب لجماعة تجهل إرثها الروحي، والمشكلة التي نواجهها اليوم في عدم المقدرة على فكّ رموز النص، لم تكن مشكلة بالغة الأهميّة بالنسبة للجماعات الأولى، لأنها كانت على معرفة عميقة بالكتاب المقدّس، وكانت قادرة بالإجمال، أو أقلّه من كان على رأسها كان قادراً على فهم الرموز ومعرفة جذورها في العهد القديم.  لقد كان الإنجيليّ يهدف الى كتابة إختبار جماعة الرسل مع الرب وتدوين تعاليم المخلّص ليقوّي إيمان الجماعات المسيحية التي لم تتعرّف على المسيح شخصيّاً. كتابهم المقدّس كان العهد القديم، وبالتالي كانوا يعرفونه جيداً، وبمجرّد سماعهم أو قراءتهم للرموز اللاهوتية الزمانية والمكانية، كانوا قادرين على ربطها بمعناها الأعمق في العهد القديم.  إن جهل معظمنا بالعهد القديم اليوم يجعل من الصعب أن نفهم بسرعة ما يريد الإنجيليّ أن يقوله، وبالتالي قد نعجز عن فهم الرسالة الحقيقية دون تفتيش وتدقيق ومساعدة.
فلنحاول إذاً فكّ رموز الزمان والمكان:

* الزمان:

1) في اليوم السادس (متى ومرقس) وفي اليوم الثامن (لوقا):
- هو يوم إنتهاء خلق الله للكون، والتجلّي الأول لله كخالق السماء والأرض، إذ رأى كل شيء حسن (kala. li,an ) وبطرس أيضاً في اليوم السادس على الجبل سيقول: "حسن لنا" (kalo,n evstin ).
- ههو يوم تجلّي الرب على جبل سيناء (خر 24، 16) وحَلَ مَجدُ الرّبِّ على جبَلِ سيناءَ وغَطَّاهُ السَّحابُ سِتَّةَ أيّامِ.   هو يوم الخلق الثاني، الله يخلق من جديد مع شعب الله علاقة بنوة قد حطّمها الشعب برفضه الطاعة لإله.
-اليوم السادس هو أيضاً يوم القبر، يوم وجود السيّد في الأكفان، يوم تجلّي الخلاص الذي حقّقه الآب عبر آلام وموت إبنه الوحيد، هو يوم الإنتظار، يوم الإيمان، فالسيد في التكوين لم يسترح حتى اليوم السابع. والله لم ينادي موسى بعد، ففي اليوم السابع سيناديه متجلّياً على الجبل (خر 24، 17) أمّا اليوم السادس فكان يوم الترقّب والإستعداد.  وفي اليوم السادس كان الرّب لا يزال في القبر.  اليوم السادس هو إذاً يوم الوعد، يوم الرجاء، يوم الإنتظار وترقب اليوم السابع.

2) اليوم الثامن:
 لوقا لا يتكلّم عن اليوم السادس بل عن اليوم الثامن.  لماذا لا يجتمع لوقا مع متى ومرقس حول اليوم السادس؟ بكل بساطة لأن اليوم السادس لا يتلائم ولاهوت الإنجيل الثالث:
-لوقا يشدّد على إهمّية لقاء الرب القائم من بين الأموات، ضمن الجماعة الكنسية، لقبول تجلّي المسيح على التلاميذ: هذا ما نجده في قصة تلميذي عمّاوس، لم يتعرّف عليه التلميذان إلاّ من خلال كسر الخبز الإفخارستي، وتوما لم يؤمن به إلاّ بعد الدعوة الى لمس جسد المكسور من أجله داخل الجماعة الكنسية.  وحدث التجلّي بالنسبة للوقا لا يُمكن للتلاميذ فهمه إلاّ من خلال قيامة الرب من بين الأموات، ومن خلال الإفخارستيا داخل الجماعة الكنسية.  لذلك كان التشديد على اليوم الثامن وليس اليوم السادس.
-  ما علاقة اليوم الثامن بالقيامة وبالإفخارستيا والكنيسة؟ "بالنسبة الى التقليد الرسولي، الذي يجد مصدره في يوم قيامة الرب ، تحتفل الكنيسة بالسرّ الفصحي كل ثمانية أيّام، في اليوم الذي يُدعى بحقّ يوم الرب أو يوم الأحد (Dies Dominica ).  إن يوم قيامة المسيح هو في الوقت عينه "اليوم الأوّل من الأسبوع"، تذكار اليوم الأول من الخلق، و"اليوم الثامن" الذي بعد "راحة السبت العظيم" إبتدأ المسيح "اليوم الذي صنعه الرب"، اليوم الذي لا يعرف غروباً، وعشاء الرب هو محوره لأن جماعة المؤمنين كلّها تلتقي فيه بالسيّد القائم الذي يدعوها الى مائدته"(3)إن تسمية يوم القيامة، يوم الأحد، باليوم الأول بعد السبت، أي بعد اليوم السابع (متى 28، 1؛ مر 16، 2؛ لو 24، 1) قد كان سببه رؤية يوم القيامة كيوم أوّل وأخير، يربط الخلق وبالفداء.
-إنجيل برنابا المنحول يتكلّم أيضاً عن اليوم الثامن كيوم قيامة الرب من بين الأموات وصعوده الى السماء في إطار إحتفال الجماعة الليتورجي: "نحن أيضاً نحتفل بفرح في اليوم الثامن، حين قام أيضاً يسوع من بين الأموات وصعد الى السماء" (بر 15، 9)
- إن آباء الكنيسة قد حافظوا على هذه النظرة، فنجد يوستينيانوس يقول: "نجتمع كلّنا معاً في يوم الشمس، لأن هذا هو اليوم الأول بعد السبت اليهودي، إنما أيضاً اليوم الأول الذي بعد أن بدّل فيه الله الظلمة والمادة، خلق الكون، وفي هذا اليوم أيضاً قام من الأموات يسوع المسيح فادينا"(4).  والقدّيس أغوسطينوس يقول: "سيكون اليوم الثامن مثل اليوم الأول، والحياة الأولى (أي الخلق) لن تُلغى، بل تتبدل الى حياة أبدية"(5).

 

* المكان:

1) الجبل العالي:
إن الإختلاف الطفيف بين متى ومرقس (جبل عالٍ) ولوقا (الى جبل) ليس بقيمة كبيرة، إنما الصفة التي يعطيها الإنجيلييّن الأولين تشير الى أن قصدهم كان رمزياً بامتياز.  في الواقع لا وجود لجبل "عالٍ جدّاً" في طبيعة إسرائيل الجغرافية، وبالتالي فلا بدّ أن المعنى رمزي هو أكثر منه جغرافي.  فإلى ماذا يرمز الجبل في اللاهوت الكتابي؟

2) مكان القرب من الله: خاصة عندما يتعلّق الأمر بجبل سيناء مع موسى، وجبل الكرمل مع أيليّا.  في لاهوت العهد القديم الذي كان في فكر كاتب نصّ التجلّي، هو مكان:
- حضور الرب بين شعبه، وتجلّيه لهم بالبروق والرعود والغمامة المنيرة.
- مكان قبول موسى لدعوته الإلهية.
- مكان لقاء الجماعة بالله.
- مكان إعطاء الوصايا الى الشعب.
- مكان المصالحة مع الشعب الإسرائيلي واختياره مجدّداً كشعب الله بعد أن خان الرب.
- هو مكان فردوسي، حالة إستباق لملك السماء، فالشعب قد تحرّر خلال فترة وقوفه على الجبل من المرض والحزن(6).
- مكان المجد والنور البهي الذي سوف يصبح دائماً في العصر المسيحاني(7).
- مكان الصلاة والإختلاء بالله، كالكرمل حيث صعد إيليّا (1ملوك 18: 42).
- مكان التضحية بالإبن الوحيد إسحق.

3) في العهد الجديد كلّ هذه الأبعاد لمفهوم الجبل كانت موجودة في فكر الكاتب عندما كتب إنجيله.
- هناك كان يسوع يذهب ليختلي ويصلّي (متى 14: 23، مر 6: 46، لو 6: 12؛ 9: 28).
- مكان اللقاء مع الله في الوحدة مثل إيليّا على الكرمل (مر 1: 35).
- مكان إعطاء الوصايا من خلال الخطبة على الجبل (متى 5: 1 ).
- جبل الجلجلة، حيث تمّت بملئها صورة إسحق الإبن الوحيد الذي يُقدّم ذبيحة للآب، علامة لقيام العهد الجديد مع الكنيسة.
- مكان لقاء الرب الممجّد، إي القائم من بين الأموات مع جماعة الرسل (متى 28: 16).

 

* الأشخاص:

1) نجد مجموعتين من ثلاثة أشخاص يجمع عليها الإنجيليّون:
- المسيح وموسى وإيليّا
- بطرس ويعقوب ويوحنّا

2) ماذا يعني إجتماع هؤلاء الأشخاص معاً وماذا نستنتج لروحانيتنا الرهبانية الكهنوتية؟

3) نجد بعدين: بعد سماويّ يتمثّل بمالمسيح وموسى وإيليّا، وبعد كنسيّ أرضي يمثّله التلاميذ الثلاثة.

4) البعد السماويّ:
- إيليّا: إن مجيء إيليا بالنسبة للمعتقد اليهودي يعني إعلان مجيء زمن الخلاص، فدوره هو:
+ إعلان تكوين وتجديد شعب الله  apokatastasis (ἁποκαταστήσει متى 17: 11؛ مر 9: 12)الذي إفترق عن الله بسبب خطيئتة.
+ التجديد الداخلي الشخصي لأفراد الجماعة المختارة، (ملاخي 4: 6) إرساء السلام داخل العائلات، ومنها الى جميع أفراد الجماعة.
+ يعلن التوبة ويعيد العاصي الى معرفة الحق (لو 1: 17).
+ يعيد جمع أسباط إسرائيل المشتّتة (سير 48: 10).
+ إعلان الخلاص لشعب إسرائيل.
+ يهييء شعب الله للزمن الأخير، إذ يعيد السلام، ينتصر على المسيح الدجّال ويمسح المسيح ملكاً على إسرائيل، عندها يبتديء زمن النعمة الإلهية.
إن إيليا هو تشخيص للحالة النبوية التي أعطيت لشعب الله المختار: إيليا بشخصه يعلن للجماعة إرادة الله ويردّها الى التوبة، يحضّر الإنسان لإلتقاء الله بواسطة تجديده داخلياّ وعلائقياً. يدعو الى خلق مجتمع سلام وللإنتصار على المسحاء الدجّالين.

- موسى: كما رأينا سابقاً يتضمّن نص التجلّي إشارات واضحة الى سفر الخروج، وبالتحديد تجلّي الرب على جبل سيناء.  ماذا يعني موسى بالنسبة للاهوت الشعب اليهودي الذي ورثه الإنجيليون؟
+ هو وسيط العهد، بواسطته أبلغ الله إرادته الى شعبه (أع 7: 38) وجدّد معهم العهد.
+ هو إذاً معطي الناموس، الناموس الذي قرأه الرب في المجامع اليهودية (2قور 3: 15). 
+ هو النبي أيضاً(8)، وفي العهد الجديد هو نبي للمسيح بإمتياز (لو 24: 27. 44؛ يو 1: 45؛ 5: 46؛ أع 3: 22).
+ البعد الكهنوتي لخدمة موسى: إن موسى لم يكن كاهناً بالمعنى الحرفي للكهنوت، إنما تمتّع بمزايا متعدّدة تجعلنا نرى أن لخدمته بعداً كهنوتياً وليس فقط نبوياً أو قياديّاً.
+   كونه الوسيط الوحيد بين الله وشعبه، صورة للمسيح الوسيط الذي لم يُمسح كاهناً بالمعنى الليتورجيّ الكهنوتيّ، إنما هو رأس الكهنوت، الذبيحة والمقرّب والممسوح كاهن الآب بمسحة الروح القدس.  موسى صورة المسيح المسبقة: الوسيط الوحيد بين الله وشعبه، وصفة الوساطة هذه هي صفة كهنوتيّة: خروج 25: 22 "فأجتَمِعُ بِكَ هُناكَ (أي في الهيكل) وأُكَلِّمُكَ مِنْ فَوقِ الغِطاءِ، مِنْ بَينِ الكَروبَينِ اللذَينِ على تابوتِ العَهدِ، بِجميعِ ما أوصيكَ بهِ إلى بَني إِسرائيلَ".
+ موسى هو أكثر من نبيّ بحسب كلام الله الى مريم وهارون:  "إسْمَعا كلامي: لو كانَ فيكُم نَبيًّ لي أنا الرّبُّ، لظَهَرْتُ لَه بِالرُّؤيا وخاطَبْتُهُ في حُلُمِ وأمَّا عبدي موسى فما هوَ هكذا، بل أنا اَئْتَمَنْتُهُ على جميعِ شعبي. فَمًا إلى فَمِ أُخاطِبُهُ صَراحًا لا بِألغازٍ، وعِيانًا يُعايِنُ شَبَهي أنا الرّبُّ".(عدد 12: 6- 8).  فمن هو المؤتمن على الشعب: الملك والكاهن والنبي، وموسى لم يكن ملكاً على إسرائيل، وها هو الرب يقول أنه ليس مجرّد نبي، فماذا يكون إذاً؟ هو ليس كاهناً بالمعنى الليتورجيّ للكلمة كما أسلفنا، إنما يعطيه الرب وظيفة ذات مزايا كهنوتية: الوساطة بين الله والشعب، الإئتمان على الشعب، بناء المسكن (خر 25: 8) واختيار الكهنة (خر 28: 1) وتكريسهم لله (خر 29: 1).  إن عدم إنتظام موسى في الجسم الكهنوتي، بالإضافة الى مزاياه هذه التي أعطاه إيّاها الرب تجعلنا نرى فيه أيضاً صورة مُسبقة للمسيح رأس الكهنوت.
+ موسى ينقل جماعة إسرائيل من إنتماء نبوي مواهبي الى إنتماء كهنوتي في خدمة جماعة الله:دون الدخول في النقد الأدبي لنص الخروج والعدد لأن هذا ليس محورّي في تأمّلنا، نقول فقط أن لمسات واضحة من قبل تقليد الكاتب الكهنوتي تتجلّى في سفر الخروج 25: 8 "فيَصنعونَ لي مَسكِنًا مُقدَّسًا لأسكُنَ فيما بَينَهُم".  في هذا الأمر نجد إنتقالاً من فكرة حضور الله وسط شعبه بطريقة متنقّلة متعلّقة بالموهبة المعطاة لموسى، الى حضور ثابت في مسكن/ هيكل وفي نطاق كهنوتي.
+ موسى هو إذاً تشخيص للحالة الكهنوتية التي أُسنِدَت الى جماعة الله المختارة:ينطلق بالجماعة الى الإلتقاء بالله من خلال الكهنوت، دون إلغاء الطبيعة المواهبية التي ينالها الشعب من خلال الدخول بالعهد مع الرب.  هو الوسيط بين الله وشعبه، فهو ينقل إرادة الرب الى الشعب: "وأُكَلِّمُكَ مِنْ فَوقِ الغِطاءِ، مِنْ بَينِ الكَروبَينِ اللذَينِ على تابوتِ العَهدِ، بِجميعِ ما أوصيكَ بهِ إلى بَني إِسرائيلَ" الرب يكلّم الشعب من خلال موسى (وظيفة أسرارية إذا صحّ إستخدام التعبير)، فكما أن موسى أضحى صورة مسبقة للمسيح رأس الكهنوت والوسيط الأوحد، تضحي خدمة موسى، مِنْ فَوقِ الغِطاءِ مِنْ بَينِ الكَروبَينِ اللذَينِ على تابوتِ العَهدِ، وبالتالي من خلال محوريّة المذبح والكهنوت، صورة مسبقة للخدمة الأسرارية التي سوف تولد من سرّ ألام وموت وقيامة المسيح على الصليب ودخوله في عهد حبّ كهنوتي مع الكنيسة عروسته المولودة من جنبه المطعون على الصليب؛ والشعب يبتهل الى الله من خلال موسى الذي تضرّع أمام الله من أجل شعبه للمغفرة (خر 32: 11-13؛ عدد 14: 13-16)، وتكلّم بإسمه على سيناء، كما تضرّع لشفاء مريم إخته: "فصَرخ موسى إلى الرّبِّ وقالَ: اللَّهُمَ اَشْفِها!" (عدد 12: 13)، فاستجاب له الرب، واهباً لها الشفاء بعد أعمال تطهّر يقيمها الكهنة عادة، وقد حقّقها موسى: "لِذلِكَ أحجزُها سَبعةَ أيّامِ خارِج المَحلَّةِ وبَعدَ ذلِكَ ترجعُ إلى بَيتِها" (عدد 12: 14)


* البعد الأرضي

1) التلاميذ الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنّا: وجود التلاميذ هنا يجمع مرّة أخرى الحقيقة التاريخية والبعد الرمزي اللاهوتي.
- الحقيقية التاريخية ودور الرسل الثلاثة:  نجد بطرس ويعقوب ويوحنّا منفصلين عن جماعة الرسل في أماكن أخرى من العهد الجديد: في بستان الزيتون (متى 26: 37؛ 14: 33) في إحيّاء إبنة رئيس المجمع (مر 5: 37 ولَم يَدَعْ أَحَداً يَصحَبُه إِلاَّ بُطرُسَ ويعقوبَ ويوحَنَّا أَخا يَعقوب)، لوقا 8: 51 (إحياء)، إعلان السرّ النهيوي ودمار الهيكل/ جسده (مر 13: 3 بالإضافة الى إندراوس).  إن هؤلاء الثلاثة قد كانوا نواة جماعة الرسل، تعرّفوا الى سرّ يسوع أكثر من سائر الجماعة وكانوا الشهود على إعلان آلامه بالصلاة معاً في بستان الزيتون، وبتجلّيه على الجبل، وبإحياءه إبنة يائيرس (شهود على قدرة القيامة).  هم كانوا على رأس جماعات كنسية مختلفة، بطرس قد أوكلت اليه رعاية القطيع، هم يقودون الجماعة على هدي ما تلقّوه من المعلّم.  لم يقدّموا تعليمهم الخاص، بل ما وصل اليهم من المعلّم.
- الحقيقة الرمزية:المسيح يحققّ السرّ الذي رمز اليه موسى.  فكما تجلى الله لجماعة شعب الله من خلال موسى ذي الوجه المشعّ، وأمام ثلاثة شهود من الشعب: هارون وناداب وأبيهو "اِصعَدْ إِلى الرَّبِّ أَنتَ وهارون وناداب وأَبيهو وسَبْعونَ مِن شُيوخِ إِسْرائيل، وآسجُدوا مِن بَعيد. 2 ثُمَّ يَتَقَدَّمُ موسى وَحدَه إِلى الرَّبِّ، وهُم لا يَتَقَدَّمون. وأَمَّا الشَّعْبُ فلا يَصعَدْ معَه" (خر 24: 1) (9)هي إذاً إشارة رمزية أراد الكاتب إيصالها: بطرس ويعقوب ويوحنّا كهنة العهد الجديد، والشهود أمام الكهنة الباقين، الرسل، والجماعة الكنسية، على حقيقة المسيح كإبن لله.  وجودهم على الجبل لم يلغ كهنوت الرسل الذين لم يصعدوا معهم، كما أن حصرية الكهنة الثلاثة والشيوخ المنتقين لم تلغ كهنوت الباقين.  هم الشهود، الذين رأوا، ونقلوا الينا الشهادة من خلال الخدمة الكهنوتية.


* المسيح نقطة الإلتقاء بين البعدين السماوي والأرضي، وموضوع كلام موسى وإيليّا.

1) نقطة إلتقاء السماء والأرض: المسيح الوسيلة الوحيدة التي كان يمكنها أن تجمع التلاميذ بالأنبياء، هو نقطة الإتصال بين قاريء الكتاب المقدّس ومحتواه: التلاميذ من خلال المسيح أبصروا صحة نبوءات العهد القديم، وتأكّدوا من صدق مواعيد الله لشعبه، كما أنّهم من خلال الأنبياء، الكتب المقدّسة، الناموس المُمَثّل بموسى والأنبياء بإيليّا، أدركوا أن نقطة وصول الكتب المقدّسة وهدفها هي رؤية تجلّي المسيح في حياة القاريء.  المسيح يصبح العلامة المنظورة لإتحاد شعب الله بسيّده، والضمانة لحضور الله بين شعبه من خلال الكهنوت والنبوءة.

2) المسيح محور كلام موسى وأيليّا: النبيّان كانا يتحادثان معاً sullalou/ntej مع المسيح:
- يظهر هدف وجود موسى أوّل أنبياء العهد القديم ، وإيليّا خاتمتهم، من خلال نظرهما معاً الى إتّجاه واحد: المسيح تتمّة النبوءات.
- كتاب الناموس (رمز اليه موسى) وكتب الأنبياء (ورمزه ايليّا) تجد تمامها في يسوع المسيح الكاهن والنبي.
- المسيح هو الضمانة الوحيدة لوحدة الأبعاد الثلاثة: المُلك والكهنوت والنبوّة في حياة المؤمن، ووحدة الكهنوتين:كهنوت الخدمة والكهنوت العام في حياة الراهب الكاهن، فخدمة موسى "الأسرارية" (الصورة المسبقة للمسيح رأس الكهنوت) ونبوءة أيليّا المواهبية (التي تتجلى في دعوة المعمّد عامّة والراهب بنوع أخصّ كونه صوتاً نبوياً في صحراء العالم) تجدان نقطة التقائهما واتّحادهما في شخص المسيح، إذ إنّهما "يتكلّمان معاً" sullalou/ntej مع المسيح، ليس بطريقة متوازية أو منفصلة، إنما كلّ من الدعوتين تسعى الى حمل صاحبها الى لقاء المسيح، تعضد الواحدة الأخرى وتستعين الموهبة بالأخرى للوصول الى تأمّل المسيح المتجلّي.  لا يمكن للبعد الكهنوتي أن يهّمش البعد النبوّي، والأ فقد قدرته على التواصل مع الجماعة، ولا يجب أن يُفقِد البعد النبوّي الكهنوتَ قيمَتَه، وإلاّ صار غير قادر على تجسيد المسيح، موضوع النبوءة، في الحقيقة الأسرارية ضمن الكنيسة.  تهميش البعد الكهنوتي يوقعنا في المبالغة المواهبية وفي النزعة الى الماورائية، وتهميش النبوءة يوصلها الى حصر موهبتنا بالواقع المادي، دون أي رجاء إسكاتولوجي، وبالتالي يصبح إيماننا محصوراً بالزمان والمكان الليتورجييَّن.

---------------------------
(3) 
تعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 1166.
(4) Justinianus Mar., Apologia, 1, 67, in PG 6, 429- 432.
(5) Agonstinus, Epist. 55, 17.
(6) Mekilta Exodus 20 18 (78b), Tannaitic Midrash on Exodus, ed. J. Rabin, 1929 ss.; Leviticus rabba (Wajjikra rabba), Midrash on Leviticus 18 (118a), on 15:1f , cf. H. L. Strack and P. Billerbeck, Kommentar zum NT aus Talmud und Midrasch, I, 1922, pp.595.

(7) cf. Pesikta (de Rab. Kahana), collection of homilies, in H. L. Strack and P. Billerbeck, Kommentar zum NT aus Talmud und Midrasch, IV, 1922, p.940.
(8) يرد لقب النبوءة في تثنية الإشتراع 18: 15، 18؛ 34: 10
(9) ناداب هو إبن هارون (خر 6: 23 وعد 3: 2). رافقه الى جبل سيناء اثناء التجلّي (خر 24: 1). وكُرِّس كاهناً للرب (خر 28: 1). وياهو الابن الثاني لهارون (خروج 28: 1). مات بسبب خطيئته دون أن يكون له نسل فلذلك زالت سلالته الكهنوتية( 1 أخبار 24: 2).

الأُسس للحياة الرهبانيّة الكهنوتيّة

1) وَصَعِدَ إِلَى جَبَلٍ لِيُصَلِّيَ: الحياة الرهبانية الكهنوتية تقوم على الحياة الروحية كنقطة إنطلاق:

2)  وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ mo,nouj katV ivdi,anÅ :(مرقس) إختيارهم وحدهم: مبادرة تنتج من الحريّة الإلهية.
-
جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ katV ivdi,an (متّى) الإبتعاد عن العالم ليس للهرب من العالم إنّما لإلتقاء الرب. منه أنطلق الى الآخر. الروحانية الرهبانية والكهنوتية: تحيا اليوم السادس، يوم الرجاء والإيمان والإنتطار، واليوم الثامن، تحقيقة الإنتظار من خلال لقاء الرب في الإفخارستيا وفي الجماعة الكنسية.
- الروحانية الرهبانية الكهنوتية تجد نقطة إنطلاقها من خلال لقائها الرب يسوع على الجبل:
+
جبل الإختلاء مع الله، جبل الصلاة، جبل الدخول في العهد (الرهبان في التقليد السرياني كانوا يدعون إبناء العهد)، هو ليس جبل العزلة للهرب من العالم إنما لأخذ الزاد للتبشير، كإيليا الهارب الى مكان الإختلاء، الهارب من إيزابل ضجيج العالم والمجتمع، يأخذ الرغيف كل يوم من الله، ويسمع نداء الله له ليعود الى المدينة ويُعلن إرادة الله للجماعة الرافضة وجود الرب في حياتها.
+
هو جبل الوصية، وصيّة العهد الجديد والدخول في عهد حبّ وزواج بين المسيح وكنيسته. عهد على الراهب أن يجسّده بإسم الكنيسة للمسيح من خلال تكرّسه الرهباني على صورة الكنيسة التي تتبّع المسيح وتختاره وتتعهّد بالوفاء له، ويجسّده بإسم المسيح لكنيسته من خلال سيامته الكهنوتية التي بها أصبح مسيحاً آخر يمارس أسرار الحياة بشخص المسيح الرأس ويعطي كنيسته الخلاص.
+ المسيح نقطة الإلتقاء بين البعد السماوي والأرضي، ونقطة وصول كهنوت الخدمة (موسى) والتكرس الرهباني (إيليّا).

3) لاَ يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذَلِكَ: قد يقدر آخرون على تحقيق تجلّيات في حياتنا، إنما وحده يسوع يقدر أن يتجلّى بطريقة حقيقية ومميّزة. وهنا دعوة للراهب الكاهن أن يبقي اهتمامه محصوراً بتجلّي الرّب له، دون البحث عن تجلّيات أخرى: تجلّيات المادّة والسلطة والّلذة العابرة.

4) هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا: كلمة الآب هذه هي محوريّة في دعوة الراهب الكاهن، فهي الّتي تذكّره دوما ما هو الأساسيّ في حياته، وتحقّق فيه وحدة الهويّة حول شخص المسيح ومن خلال الطاعة للمسيح وللكنيسة.


* المخاطر:

1)  فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى، وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً: في حياتنا الرهبانية الكهنوتية قد نقع أحياناً في خطر أن:
-
 نقسّم دعوتنا الى أجزاء: الكهنوت من ناحية مع ما يترتّب عليه من عمل رعائي وخدمة للأنفس والعمل في سبيل خير الأنفس المولجة الى رعايتي رسولياً او ثقافياً أو رعائياً، وبين الدعوة الرهبانية مع ما يرافقها من إنقطاع عن ضجيج العالم، وضرورة الإختلاء للصلاة، ولقاء وجه الرب على قمم جبال عزلتي المقدّسة.
-
نقسّم وقتنا فنعطي جزءاً من وقتنا للرعية وجزءاً للصلاة، فيبقى المسيح أيضاً بين الإثنين، لأنه لا يمكن لنا أن نلتقي المسيح ونحن منعزلون عن الآخر، حتى في عزلتنا الرهبانية نحمل الكون بكهنوتنا نحو المسيح.  هوّيتنا الرهبانية الكهنوتية لا تعني التقسيم إنما أن نحيا الهوّية الواحدة، هوّية موسى الجديد وإيليا نبي العصر الحاضر، من خلال عيشنا في المسيح.  كهنوتنا وتكرّسنا عليهما أن يتّحدا معاً، في بوتقة واحدة، في شخص المسيح البداية والطريق والهدف.
-
أن نجعل المسيح واحداً بين متساوين: في حياتنا الكهنوتية والرهبانية مشاغل كثيرة، إلتزامات وواجبات وعمل وإجتماعيّات، والخطر هو أن ننصُب للمسيح خيمة بين هذه الخيام كلّها.  واجبنا هو أن نبني خباء المسيح وحده من خلال التزاماتنا كلّها، وإلاّ نضحي تائهين في غابة من المظال: مظلّة الإدمان على العمل، مظلّة السعي الى الشهرة، مظلّة السعي الى المادة، مظلّة خدمة الأنفس بقوّتنا الشخصية.  حتى الأعمال الخيّرة هي شرّيرة إن كانت منفصلة عن مجد الله الأعظم.

2) الخوف: وَلَمَّا سَمِعَ التَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً.7فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: "قُومُوا ، وَلاَ تَخَافُوا" (متى 17: 6- 7)
- عدم الخوف من الله والإنفتاح على إرادته في حياتنا: إن الله ليس عدوا لنا، وليس هو اله العقاب والخوف، هو صاحب الدعوة، يدخل معنا في عهد حبّ من خلال تكرّسنا له، يجعلنا نسمع صوته وإرادته.
- الخوف من العالم

3)الجهل سبب الخوف: لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ (مر 9: 6) إن عيشنَا لدعوتنا لا تتحقق بملئها إن لم أسعَ الى التعرف على سرّ المسيح المتجلّي بكل إبعاده ودون تهميش أي مقوّمة من مقوّمات طبيعتنا الإنسانية credo ut intelligam non intelligo ut credam .  إرتباطنا بالعهد مع يسوع المسيح لا يستلزم فقط القدرة الروحية ويقلّل من قدر ومن قدرة الجوانب الأخرى.  نحن مدعوون لأن نكون بكليّتنا للمسيح وفي خدمة إنجيله.  نسمع الكثير في طور تنشئتنا وفي حياتنا الرهبانية أن الله لا يريد متعلّمين إنما قدّيسين: نعم الله يريد منّا أن نكون شعباً مقدّساً، وهي الغاية الأخيرة لتكرّسنا، نقدّس أنفسنا من أجل الأخوة ونتقدّس معاً كجماعة.  إنما من أو ماذا يرسم أطار القداسة هذه؟ من يقول أن القداسة تعني الجهل وعدم ضرورة إختيار الله حتى في قدرتي العقلية؟ إن تكرّسي يكون منقوصاً إذا همّشت قدرة من قدراتي.  إن كان الإنسان يتميّز عن المخلوقات الأخرى بكونه عاقلاً، إي ذي قدرة على التفكير والبحث عن الخير والحق والحسن، فهو يقوم به من خلال قدرته العاقلة التي في بحثها عن الله تدخل في إنسجام وفي علاقة خضوع للقدرة الروحية الإنسانية، وبتهميش الإنسان هذا الجانب من حقيقته الكيانية (كإنسان قادر على فهم الحقائق ومدعو للتفتيش عن الحقيقة المطلقة من خلال قدرته العقلية ، ومن خلال القدرة الروحية التي تتجلّى من خلال الإيمان الذي ينمّيه، وبالتالي يكون قادراً على معرفة متى ينتهي دور قدرته العقلية ويبدأ دور القفزة الإيمانية الى عالم غير المحسوس وغير القابل للإختبار) يصبح كائناً ضمن الكائنات الأخرى، وليس الكائن على صورة الله ومثاله.

من ناحية أخرى إن لم نستعمل قدرتنا العقلية لا يمكننا ان نقوم بالتسليم الإيماني ساعة الضرورة.  وحين يغيب الإيمان يغيب الرجاء، وتضحي القفزة الإيمانية قفزة الى المجهول، فيولد الخوف. وهذا الخوف يمنع المكرّس من إعلان حقيقة المسيح لأنه غير أكيد منها، خائف منها ضمنيّاً، مثل بطرس الذي "لم يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ": نتيجة الجهل الخوف، ونتيجة الخوف عدم القدرة على الكلام، أي على التبشير بحقيقة المسيح التي هي دعوتنا.
يقول المجمع الفاتيكاني الثاني "يجب للّه الذي يوحي طاعة الإيمان (Obedientia fidei ) التي يعطي الإنسان ذاته بكلّيتها لله بحريّته، مقدّماً الخضوع العقل والإرادة التامّين لله الذي يوحي..."(10)، فكيف يكون هناك فعلاً خضوعاً تامّاً للعقل إذا أراد الله عدم إستعماله.  "إن الإيمان ليس حركة عمياء للروح الإنسانية"(11)، كما أن الإيمان ليست قدرة منفصلة عن القدرة العقلية، وإلاّ نوشك أن نسقط ليس فقط في خطر الجهل والتطرّف والأصولية، إنما من الناحية اللاهوتية في القول أن التبرّير يأتي من الإيمان فقط وليس فقط من الأعمال، وفي إطارنا هذا، دور العقل هو العمل الذي يسهم في تبريرنا وخلاصنا لأنه قد ساعد الإيمان على النموّ والنضوح، بدفع من النعمة الإلهية، لذلك يقول توما الأكويني أن فعل الإيمان هو فعل عقلّي actus intellectus يُبدي، بدافع من الإرادة المقتادة من الله بواسطة النعمة، خضوعه للحقيقة الإلهية (12)، والقدّيس أنسلموس أوضح أن ميزة الإيمان هي أنها تسعى دوماً لتفهم أكثر، الإيمان يبحث عن العقل quaerens intellectum fides لأن الإيمان لا يقدر أن يعطي إثباتاً لموضوع إيمانه، وبالتالي يسعى الى البحث من خلال العقل، لأنها صفة أساسية فيه، والعقل يبحث عن الإيمان intellectus quaerens fidem ، لأن العقل بحاجة الى الإيمان ليفهم بشكل عميق محتوى الإيمان رغم أن الحقيقة الإيمانية المطلقة تبقى بعيدة عن قدرة العقل على إحتواءها(13).  أن المؤمن يريد أن يتعرّف أكثر على ذاك الذي جعل فيه أيمانه، ويفهم أكثر ماذا أوحى هذا الأخير، إن فهماً عميقاً يتطلّب إيماناً أكثر عمقاًاً(14)، لذلك أنا أومن لأفهم، وأفهم لاؤمن يقول القدّيس أغوسطينوس (Intellige ut credas, crede ut intelligas )(15)، فالهدف الأخير ليس هو العمل العقلي والثقافة الأدبية، بل الوصول بإيماني الى النضج الذي تتطلّبه منّي دعوتي الى إتّباع السيّد.

4)عدم الإهتمام والتعب أو الملل "فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ" (لو 9: 32): وحده لوقا يورد محتوى الحديث الدائر بين موسى وإيليّا من جهة والمسيح من جهة أخرى، هو "العبور" المزمع أن يقوم به يسوع.
-
االعبور هو الفصح، الإنتقال بالشعب من مصر الى أرض الميعاد، الإنتقال بهم من حالة الخطيئة الى حالة النعمة، من حالة العبوديّة الى بنوّة أبناء الله.  والجماعة في هذا كلّّّه تبدو غير مهتمّة، يغلبها النعاس.
- ههو الخطر الذي نقع فيه نحن أيضاً حين ينتابنا التعب من كهنوتنا وتكرّسنا، ننام أي ننفصل عن واقعنا ونسعى للراحة، نخون دعوة الله لنا في أن نكون في خدمة الآخر. ننام، نتخلّى عن دورنا وفعاليتنا حين نسقط في الروتين القاتل، ونضحي مدمنين على العمل الرسولي دون أي عمق روحي، فنسقط في الروتين الراعوي، ونبدأ بالتعب، فننام عن مشاكل الرعية. ننام حين نواجه مشاكل رسالتنا كما فضّل التلاميذ النوم على سماع قساوة ما سيتعرّض له يسوع في المستقبل ساعة الألم والموت، نظن أن كهنوتنا هو بداية عمل ناجح في كرم الرب، فنصطدم بالواقع المرير، واقع الرفض عند الآخر، أو عدم التجاوب وعدم الإهتمام، نبدأ بتفاؤل مفرط في خدمتنا، وننتهي بتشاؤم مبالَغ به، فننام.
-
الرسل أوشكوا أن يناموا ساعة إعلان الآلام المستقبلية، إنما إستيقظوا لحظة المجد الإلهي، هربوا من ضرورة الألم وطالبوا بدوام المجد غير النهائي، تعلّقوا بالصورة المسبقة للمجد السماوي وأرادوا أن يبقوه بينهم بشكل دائم.  كم من المرّات نرغب نحن أيضاً بهذا المجد المؤقّت ونطلب بدوامه بيننا، ويثقّل النعاس أعيننا عندما ندرك أن علينا أن نتألّم، ونحمل الصليب بفرح، لنبلغ مجد القيامة، فنحاول أن نتهرب بالنعاس الوجودي؟
-
أيليّا الموجود أمام المسيح يعاين مجده، قد سقط أيضاً في اليأس والخوف (1مل 19: 1-8 فخافَ وقامَ ومَضى لإنقاذِ نَفسِه، ... حتَّى جاءَ وجَلَسَ تَحتَ رَتَمَة، والتَمَسَ المَوتَ لِنَفسِه وقال: "حَسْبي الآن يا رَبِّ، فخُذْ نَفْسي، فإني لَستُ خَيرًا مِن آبائي")، والله قد عضده بسرعة إذ أرسل اليه العزاء وزاد الطريق، فأكمل مسيرته الى الجبل. المسيح يعرف ضعفنا وماذا يواجهنا في دعوتنا، هو وحده يعطينا الشجاعة وزاد الطريق الإفخارستيّ.  هو يقول لنا "لا تخافوا، فأنا غلبت العالم".

---------------------------
(10) 
Concile Vatican II, Dei Verbum I, 5.
(11) Concile Vatican I, De fidei Cath., III, de fidei, in Denz. 1791 (3010).
(12) Cf. Thom. Aquin., Summa Theologica II-II, q. 2, a. 9 c.  (Ipsum autem credere est actus intellectus assentientis veritati divinae ex imperio voluntatis a Deo motae per gratiam, et sic subiacet libero arbitrio in ordine ad Deum. Unde actus fidei potest esse meritorius).
(13) Cf. Anselm. Cant., Proslogion, proem, in PL 153, 225A.
(14) تعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 158.
(15) Sant'Agostino, Sermones, 43, 7, 9: PL 38, 258.

خلاصة

يساعدنا التأمل في رواية التجلّي على فهم معنى دعوتنا الرهباينة الكهنوتية، هي ليست دعوة مزدوجة، تناقض فيها الأولى الثانية، ولا هي دعوة مركّبة ينقسم فيها المدعو الى شخصين أو الى وظيفتين، ويضحي بنوع من الأنواع مصاب بإنفصام دعواتيّ.  إن التجلّي على الجبل يقول لنا أن التقاء موسى وأيليّا ممكنان فقط إذا تمحورا حول شخص المسيح، وإن الدعوتين فينا لا تنفصلان إلاّ إذا حجبنا يسوع من وسطهما أو أردنا جعله ليس هدفهما بل موازياً لهما.
إن العلاقة بين التكرّس الرهباني والخدمة الكهنوتية، إذا مورست بعمقها، ينتج عنها أن "كل حياة المكرسّين تتداخل فيها الروح الرسولية وكل الحياة الرسولية تكون مضطرمة بالروح الرهبانية"(16)
أما النظرة الإزدواجية التي تطغي في عقليّتنا وأحياناً بسبب تنشئتنا، أي أننا كهنة ورهباناً في وقت واحد وبالتالي فعلينا الإهتمام بعملين في وقت واحد، فنعطي ما نظنّه أقلّ أهمّية الوقت القليل ونهمله، ويحوز الآخر على مجمل وقتنا، تجعل من هويّتنا حاجزاً أمام قداستنا، فبدل أن يكون كهنوتنا مقدِّساً لنا، يضحي وسيلة إعاقة لنا.  كهنوتنا يجب أن يساعدنا على عيش هوّيتنا المكرّسة، وتكرّسنا يجعلنا أيضاً نعيش نذورنا بروحانية كنسية، فالكاهن الراهب يحيا نذوره ليس فقط هرباً من الخطيئة أو صورة لوفائه للمسيح، بل أيضاً، بما أنّه كاهن، تضحي نذوره علامة وفاء المسيح للكنيسة، وبالتالي نحيا هويّة الكنيسة التي تقدّم ذاتها للمسيح، وهويّة المسيح الكاهن الذي يذبح نفسه ويعطي حياته للكنيسة.  لا تبقى قداستي متعلّقة بحياتي الرهبانية، بينما خدمتي الكهنوتية هي إضافة تأخذ من وقتي وتعيقني عن التقدّس، وبالمقابل لا تصبح دعوتي الرهبانية إعاقة لعطائي الرسولي ولخدمة الآخر.  "إن كانت الحياة الرهبانية قد تعلّقت بالكهنوت، فهذا كان نتيجة التناغم بين التكرّس الرهباني والتكرّس الكهنوتي.  إتّحاد التكرّس الرهباني الذي يقدّم الشخص بكلّيته الى الله، والطبع الكهنوتي، في إنسان واحد، يجعل حامله على صورة المسيح، الكاهن والذبيحة، بطريقة مميّزة"(17).
البعد الكهنوتي في حياتنا الرهبانية، لا يدخلنا نحن فقط في علاقة عضوية مع الكنيسة، إنما الرهبانية كلّها، كونها رهبانية إكليريكية، لا يمكن أن تفصل نفسها عن الجسم الكهنوتي العام، وبالتالي فلا يمكنها أن تنفصل كهنوتياً عن الراعي الأبرشي، ولا يحقّ لها أن تكون على علاقة حذر وإستقلالية إزاء الجسم الكهنوتي الأبرشي، هي مدعوّة لتكون في خدمة الكنسية بصفتها الكهنوتية، إي مسيح آخر، ولأن تكون أيضاً في خدمة الكهنوت كونها صورة مريم – الكنيسة- بنذورها الرهبانية. من هنا دعوة الرهبانية الى تجسيد حضورها في المجتمع لخدمة الكنيسة، بعلاقة طاعة للسلطة الكهنوتية وتعاون معها، فالرهبانية لا يمكنها أن تكون صورة للكنيسة فقط بتكرّسها الرهباني، بل جماعة "مثالية" تحيا الكهنوت العام، بينما هي بتكرّسها الكهنوتي تقدر أن تكون صورة للكنيسة حاضنة الكهنوت العام وحاملة كهنوت الخدمة، وفقط بالإتحاد بالسلطة الكنسية.  إن واقعنا ككهنة نستقي روحانيتنا من موهبة الرهبانية الخاصة إمّا يكون لخير الكنيسة وشعب الله، لأننا نوصل بشرى الخلاص بنكهة مميّزة أُنعمت علينا بموهبة من الروح القدس، وإمّا تكون نوعاً من الإنقسامية والإستقلالية التي تهدد فعالية البشارة بسبب التنافر والنتافس وإستبعاد فئة لأخرى.  المجمع الفاتيكاني الثاني يدعو جميع الكهنة، وأن كان يشدد بنوع خاص على الأبرشيين بفعل إنتمائهم القانوني وليس فقط اللاهوتي والكنسي، الى التذكّر كم تساهم في قداستهم وحدتهم الوفيّة ومساهمتهم الكريمة مع أسقفهم(18). فالأسقف هو الأساس المنظور وقاعدة الوحدة في كنائسهم المحلّية، وبواسطتها وإنطلاقاً منها تتكوّن الكنيسة الكاثوليكية الواحدة والجامعة"(19).

إن وضعنا القانوني كرهبانية ذات حقّ حبري لا يجعلنا متعلّقين من الناحية التدبيرية بسلطة الأسقف المكاني(20)، إنما هذا لا يعني أنه بإمكاننا التواني عن السهر على حفظ الوحدة الكنسية برباط المحبّة، فالحق الحبرّي يتعلّق بحياة رهبانيتنا الخاصّة الداخلية، إنما في عملنا الرعائي في الأبرشية، فيخضع جميع الرهبان للسلطة المكانية(21)وبالتالي فمن صميم واجباتنا التنشؤ، وتنشئة الشبيبة الرهبانية، على الحسّ الكنسي والرباط المقدّس في الجسم الكهنوتي في سبيل مجد الله الأعظم وخدمة أجدى للكنيسة ولشعب الله، بهوّيتنا الرهبانية الخاصة في حضن الكنيسة.

---------------------------
(16) 
Concile Vatican II, Perfectae Caritatis, 8.
(17) Paolo VI, discorso ai Superiori Maggiori degli Ordini e Congregazioni religiose d’Italia, 18 novembre 1966, n.1.
(18) Concile Vatican II, Lumen Gentium, 41.
(19) Concile Vatican II, Lumen Gentium, 23
.
(20) مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، المادة 412، ب.2.
(21) مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، المادة 415، ب.2.

 



   

شبّ حريق كبير، ولمّا ضهرو أهل البيت، اشتلقوا إنّو الولد الزّغير بعدو جوّا.
وكان البيّ عم بفكّر كيف بدّو يفوت يجيبو... لمّا سمع صوتو عم بناديلو من الطّابق الأعلى.
قلّو البيّ:" نطّ! أنا هون!"
بس الولد الخايف قلّو:" ما بدّي... أنا مش شايفك!"
وجاوب البيّ بكلّ ثقة:" بس أنا شايفك وناطرك... نطّ ورح تجي بين إيديّ!"
ونحنا... قدّيش بحياتنا في ثقة إنّو عنّا بيّ شايفنا وناطرنا حتّى لو نحنا مش شايفينو.
قدّيش عارفين إنّو عنّا بيّ عم بينادينا حتّى يخلّصنا من صعوبة أو ضعف أو قلق.
وبعدنا نحنا عم نخطّط على قياسنا... من دون ما نلبّي نداؤ.
شو رأيك يكون صومك إصغاء لصوت الرّب بحياتك... ومناسبة ترمي حالك بالخلاص...ومناسبة تشيلك من الخطر... وتخلّيك متكّل على الله الّلي فاتح إيديه حتّى يستلقيك.

 



أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007